vendredi 2 mai 2014

بنتُ السّماءْ



هي ليستِ امرأةً بما يكفي ..
كما خُلِقَتْ نساءُ الأرضِ أجمَعُهنَّ من حوّاءَ حتّى آخرِ الملِكاتِ ،
ليستْ طفلةً موعودةً بكمالها في عالمِ النُّقْصانِ ،
وهْيَ كما أرى ..
شيءٌ قليلٌ من حقيقةِ ما جرَى ..
ولأنّني في الأصلِ إنسانٌ بما يعني الشّهادةَ ، لم أزَلْ ..
شيخًا صبيًّا ذاهِلاً متعثِّرَا
ووددتُ لو أبكي عليها ساعةً ، أو بعضَ يومٍ ،
أو لأسبوعٍ ... وأُشفَى ..
غيرأنّي منذ أن سمّيتُها بنتَ السّماءِ كسرتُ ضلعًا داخلي ،
وتركتُ وجهي بين آلافِ الوجوهِ مُبعْثَرَا .
هي ليستِ امرأةً بما يكفي ..
لِتُعرفَ من بعيدٍ وهي مُقبِلةٌ برائحةٍ مميّزَةٍ لعطرٍ باذِخٍ ،
ما حدّثتْ عنها مجلاّتٌ كَـ " سيّدتي "،
ولا اعتادتْ نوادِي الرّقْصِ أو نزقَ الحرائرِ في العُلَبْ .
لمْ تعترفْ يومًا بعيدِ الحبِّ في زمنِ المهانةِ والغضبْ
لم تحتفلْ مثل النّواعِمِ بانتصاراتِ النّساءِ ،
وعيدِهنَّ وفضلِهنّ على الرّجال المُتعبينَ بلا تَعبْ .
لم تُطفئِ الأضواءُ شمعةَ روحها ،
كانت خواتمها بلا ثمنٍ ..
فراشاتٌ ترِفُّ على أصابعها النّديّةِ ، والخطى ..
مطرٌ شفيفٌ فوق أوراقِ العنبْ
أسماء يا من علّم الأسماءَ كانتْ
تعشقُ الشّعر الفصيحَ و تحفظُ القرآنَ ،
تغرَقُ في أحاديثِ السّياسةِ دونما رقصٍ على حبلِ الخُطَبْ ..
وهي ابنةُ العشرينَ ، أو ما دونها ..
ما كانتِ امرأةً بما يكفي ..
لِتلهمَ شاعرًا فيقولَ فيها مثلما غنّى جميلٌ في بثينةَ ،
والحديقةُ تحتَ شرفتها يحاصرُها العسَسْ
كانت تردُّ البابَ في خوفٍ وتصرخُ : يا أبي ..
جاء الحرسْ ..
وتشدُّ في وجع مخدّتها ، وتبكي .. يا أبي ..
لمَ دائما يأتون ليلاً عندما أحتاجُ حضنكَ يا أبي ..
وأنا أخاف اللّيلَ ،
ثمّةَ من يراني في الظّلامِ ولا أراهُ ..
أحسّ من حولي خُطاهُ ..
أحسّها تمتدّ نحو فمي وصدري يا أبي في اللّيلِ باردةً
وتخنقني يداهُ
هي ليستِ امرأةً بما يكفي لتصبحَ شهرزادَا ..
لم تقلْ يومًا سأُطفئُ جمرةَ السّلطانِ في لحمي ،
ولا قالتْ أريدُ العشقَ زادَا ..
كان يسكنها قطيعٌ من أرانبَ شبهِ راقصةٍ وغزلانٍ ..
وتحلمُ باكتمال البدرِ فوقَ حديقةِ البيتِ الصّغيرِ ،
كأنّما خُلِقتْ بلادًا .. للّذي يبكي البلادَا ..
وهْيَ مَنْ هي بين إخوتها .
تخاصمهُمْ إذا ظلمُوا ..
تُصالِحُهم إذا ندِمُوا ..
وتُمْعنُ في أمومتِها ، ..
كأنَّ بها شُعورًا أنّها سَتُزَفُّ قبل أوانِها للقبرِ،
مثلَ فراشةٍ حلُمتْ بنجمتها تُداعبُ خدَّها ..
وبأنّ دميتها ستبكي بعدها ..
وبأنّ دُميتها ستكبُرُ وحدَها ..
وهي ابنةُ العشرينَ أو ما دونها ..
لكنّها " أستاذَتي " ...
يبكي محمّدُ وهو يرثيها ولا يرثِي سواهُ ..
وينحني عمّارُ فوقَ ترابِها ، يوصيهِ : كنْ خجلاً حنونًا ..
فهي من كبدي ، ومن ضلعِ الملائكةِ احتضنها يا ترابُ وكن حنونًا ..
وهي سرُّ أبٍ كنانيٍّ عظيمٍ ..
عاتبتْهُ على حياءٍ ذات ليلتِها الأخيرةِ .. يا أبي ..
حتّى ونحن معًا هنا .. بالكادِ صرْنا نلتقي ..
فمتى يجودُ بك الزّمانُ لساعةٍ .. من دونِ خوفٍ يا أبي ..
يبكي محمّدُ ، ثمّ يحضنها بقلبٍ مُتْعبِ ..
ويرى صغيرتَهُ عروسًا بين آلافِ النّجومِ تَحُفُّها ..
فتقولُ : ليس الآنَ موعدُنا غدًا ... عند الظّهيرةِ يا أبي ..
وهي ابنةُ العشرين أو ما دونها ..
كانتْ سماءً مقمرَهْ
أو سروةً عطشى تنامُ هناكَ حالمةً بريحٍ مُمْطِرهْ ..
يأتي الصّباحُ ..
ولا تُفيقُ على أذانِ الفجرِ رابعةٌ كعادتِها ..
وتُنْقلُ عبرَ شاشاتِ العواصمِ كلُّ أطوارِ الجريمةِ دونما خُدَعِ
إلى كلّ العواصمِ دونما وَجَعِ ..
إلى كلّ العواصمِ دونما ..
لكنّ أسماء الّتي وقفتْ ببابِ الله يوم زفافها ..
مالتْ قليلاً مثل سنبلةٍ ولم تَقَعِ ..
مالتْ قليلاً حين مال الظّلُّ فوق ذراعِ رابعةٍ وما سقطتْ ..
من قالَ إنّي قد سمعتُ لها أنينَا ..
أو لمحتُ لها جبينَا ..
مثل خدِّ الشّمس ينزفُ تحت عينِ الكامِرَا ..
من قال إنّه قد رآها تُغمضُ العينينِ أو تُرْخِي الوَتِينَ ..
من قالَ إنّه قد مشى خلف الجنازةِ ،
أو بكى كسماءِ أيلولَ الحزينةِ فوقَ تُربتِها ،
وأبكى العالمينَ ..
من قال إنّ حبيبها الغالي أباهَا
لم يُودِّعْها ولا صلّى عليها يومَها
وبأنّها تركتْهُ بعد رحيلِها في ظلمةٍ أخرى سجِينَا ..
هي ليستِ امرأةً فقطْ ..
أسماءُ ، يا من علّم الأسماءَ
أجملُ ما تُعمِّرُهُ الحياةُ ، وما أضاع الموتُ فينا ...
وهْيَ سيّدةُ السّماءِ وزهرةُ الشّهداءِ ،
مفتاحُ الجريمةِ فوقَ أنقاضِ الضّمائِرِ والجباهِ مُعلَّقٌ ..
من قالَ إنّا قدْ نَسِينَا ..
من قالَ إنّا قدْ نَسِينَا ..

                     عبد اللّطيف علوي / 1 ماي 2014 

jeudi 10 avril 2014

بلادي قصيدهْ


سَلْ عنِ الأمكِنَهْ ..
ماالّذي قدْ تغيّرَ من طَبْعِها الأمكِنَهْ ؟؟
برُّها ؟ بحرُها ؟
حرُّها ؟ قرُّها ؟
حُلْوُها ؟ ..مُرُّها ؟  ..
ماالّذي قد تغيّرَ من حُزنِها الأمكنَهْ ؟؟
مرَّ عامٌ ، فعامٌ .. وعامُ ..
ولم يبقَ من سَكرةِ العشْقِ ،
أكثرُ من غُصَّةٍ مُزْمِنَهْ ..
شمعتانِ اثنتانِ على صدركِ اليومَ يا بلَدِي ..
ربّما صارَ يكفي ..
هرِمتِ بِنا ، أو هرِمنا - كما قيل يومًا - ..
وأوجَعْتِنا طَربَا ..
سنتانِ اثنتانِ بِأَلْفَيْ سَنَهْ ..
فيهِما قدْ عَشِقْنا النّجومَ ، كما لم نكن قبلَ ذلك نَعْشَقُها
وفهِمنا الحياةَ ، كما لم نكن قبلَ ذلك نفهمُها ..
واكتشفنا حروفًا بأسمائنا .. خارجَ الأبجديّةِ ،
صارتْ حروفُ الهجاءِ حروفَ المديحِ ،
وصارتْ لنا ألسِنَهْ ..
سنتانِ فقطْ كانتا تَكْفِيانِ لِنَعْرَى تمامًا
كَقِدّيسةٍ ماجِنَهْ ..
لم نكن طيّبينَ تمامًا ، كما - قبل ذلكَ - كنّا نظنُّ ..
ولا مؤمِنينَ - مُصادَفَةً - صالحينَ ..
يُؤَرْجِحُنا في الجحيمِ يقينٌ وظَنُّ ..
ولا صِبيةً طائشينَ ..
ولا مُرْسَلينَ على قِبْلَةٍ بيِّنَهْ ..
سلْ عن الأمْكِنَهْ ..
هلْ ترى صورَ الشّهداء على مدخل الكازِنُو ..؟
كيف صارتْ مَداسًا لأحذيةِ المُومساتِ
وصارتْ خيامُ العزاءِ بلادًا وجنْسيّةً …
هل ترى بينَ شيءٍ ولا شيءَ مُتَّسَعًا للحياةِ
ومُعجِزةً مُمْكِنَهْ ؟؟
مُثْقلٌ بجنون السّياسةِ أو صخبِ التّابعينَ
تَطِنُّ الزّنابيرُ في أُذُنيّ نهارًا وليلاَ
تُطارِدني فرقُ الموتِ في كلِّ مُنْعَطَفٍ ..
وأنا في السّياسةِ غِرٌّ غَشيمٌ …
تربّيتُ في زمنِ الأَكرَمَيْنِ ،على خُطبِ الأكرَمَيْنِ ..
مُطرّزةً بالفراغِ
على صورِ الأكرمَيْنِ مُعلّقةً في دِماغي
وصدّقتُ أنّ الطّحالبَ أصلُ الحياةِ
                 وخُبْزُ الجياعِ ..
وأنّ السّلامةَ في بَلدِي مُمْكِنَهْ ..
شرطَ أنْ يقطعَ المرءُ كلَّ أصابِعِهِ ،
لكيْ لا تطولَ وتمتدَّ نحو الأفاعِي ..
وصدّقتُ أنّ النّساءَ يلِدْنَ على رأسِ كلِّ زمانٍ
نبيًّا من الأصفياءِ ،
يقودُ البلادَ إلى شمسِهِ ..
وتدورُ الطّواحينُ في رأسِهِ ..
ويشيخ الزّمانُ ..
يشيخُ على أرضنا كلُّ شيءٍ عَداهُ ..
ويبقى عَفِيًّا
فتيًّا عتِيَّا ..
عليًّا عصِيًّا على رَمْسِهِ ..
وأنا في السّياسةِ غِرٌّ غَشيمٌ …
أصدّقُ مثلَ العجائزِ والصّالحينَ ومن عبدُوا العجل في بلدي
نشرةَ الثّامِنَهْ .!.
ومحاضرَ أقبِيةِ الدّاخليَّةِ
                والنّشرةَ التّربويّةَ ..
                                   واللاّفتاتِ الدّعائيّةَ السّاخِنَهْ ..
وأصدّقُ مثلَ الصّغارِ كلامَ الكبارِ
فأملأُ جيبي وُعودًا ، وقلبي وَعِيدَا ..
وأفرحُ يا بلدي أنّنا ..
عند كلِّ سقوطٍ لنا فيكِ أو نَكْبَةٍ ..
سوف تزدادُ أعيادُنا الوطنيّةُ عيدَا ..
وأحفظُ شعرَ الجنازاتِ في الكتبِ المدرسيّةِ ،
أو في احتفالاتِ حزبِ الرّئيسِ ،
بشعبِ الرّئيسِ ..
مُناشَدَةً للرّئيسِ ..
ليحمي القبيلةَ من كلِّ حرٍّ خسيسِ ..
وأنا في السّياسةِ غِرٌّ غَشيمٌ ...
ولكنّني اليوم لا شأنَ لي بينكمْ ..
لمْ أرَ في جلابيبِكمْ غيرَ وَعْثِ الصّحارى الحزينةِ ،
أو تحت أرجُلِكم غيرَ كُدسٍ من الجثثِ المُتفسِّخةِ المُنْتِنَهْ .
ولا شأنَ لي بالمَعالِي ولا بالمَوَالِي ..
ولا بالأيادي المُخاتِلةِ الوَاهِنَهْ
ولا بالمَسيحِ الشّيوعيّ والجوهرِ الطّبقيِّ لأحزانِنا ،
ولا بالخلافةِ قبلَ الخلافِ ، أوِ الأخْوَنَهْ ..
صرتُ أَعْرِفُكُم قاتِلاً قاتِلاً ، وقتيلاً قتيلاَ ..
أنا يا كرامُ ثقيلُ اللّسانِ ،
ولا أُتْقِنُ الغزلَ الموسمِيَّ على شاشةٍ أو جريدَهْ ..
بلادي قصيدَهْ ..
ولمْ أرَ فيمَنْ أرى بينكم من يَصيدُ القصيدَهْ
وأعرفُ .. ما أكثرَ الشّعراءَ الّذين تغنّوْا بأنهارِها ..
أو بأشجارِها أو بأقمارِها أو بِأقدارِها ..
والّذين تغنَّوْا بأعيادِها
أو بجلاَّدِها أو بأمجادِها رغمَ حُسّادِها..
والّذين عَمُوا عن زهورِ الطّفولةِ تقصفُها الرّيحُ من حولِهِمْ ..
ومَضَوْا يَصِفُونَ البنفسجَ والياسمِينَ ،
وجنّاتِ عَدْنٍ على أرضِها فاتِنَهْ ..
ليس لي يا كرامُ فصاحَتُهُم في المديحِ ،
ولا في التّذلّلِ أو في التّوَسُّلِ بالأدمُعِ الخائِنَهْ ..
أنا يا كِرامُ بلادي قصيدهْ
وعشٌّ حزينٌ على غُصنِ زيتونةٍ في العراء تموتُ وحيدهْ
يُجرّحُنِي عِطْرُها اللّيلكيُّ
إذا لمْ يُضمّخْ شوارِعَها كلَّها والرُّبى والبُيُوتَ البعيدَهْ..
وكاذبَةٌ شمسُها وضُحاهَا ..
إذا لمْ يَرِفَّ لها كلُّ قلبٍ كسيرٍ
ويبتَلَّ من نورها كالغُصُونِ الوليدَهْ
وزائِفةٌ كلُّ أقمارِها المُشتهاةُ وأخبارُها …
كلُّ أعيادِها،
وبطولاتُ أجدادِها،
وملاحمُ أيَّامِهَا الخالِداتِ المَجِيدَهْ
إذا لم يكنْ للمَلاعينِ فيها نصيبُ ..
وللرَّاقِصينَ حُفاةً على الجمرِ أيضًا نصيبُ ..
وللخارجينَ عن اللاّنِظامِ
وللواقفينَ على شُرفَةِ الرّيحِ والموتِ في حبّها كالشّموعِ العنيدَهْ
بلادي قصيدَهْ
ولمْ أرَ فيمَنْ أرى بينكم من يصيدُ القصيدَهْ .


                        عبد اللّطيف علوي / 10 / 12 / 2013