lundi 28 juillet 2014

غزة تتحرّر ... من العرب


منذ اندلاع الصراع العربيّ الإسرائيليّ حول الموضوع الفلسطينيّ ، بقيت حدود المسؤولية والأهلية في اتّخاذ قرارات السلم والحرب ، وما يترتّب عنها من نتائج سياسية أو ميدانية ، محلّ تداخل وتوظيف متبادل بين الحكومات العربية وفلسطين ، ممثلة تارة في منظمة التّحرير وتارة أخرى في سلطة أوسلو وطورا في فصائل المقاومة الشّاذّة عن هذا الطوق أو ذاك ... ومن المفيد التّأكيد هنا على أنّ المقصود بعبارة الصراع العربيّ هو صراع الحكّام العرب باعتبار أنّهم تاريخيّا ، لم يكونوا على نفس اتّجاه البوصلة مع الشّعوب ، لا في أهداف المعركة ولا في أدواتها ولا في ينبغيّاتها الوطنية والقومية بما تتطلّبه من تعبئة شاملة ووحدة حقيقية ..
العلاقة بين الطّرفين ( العربي والفلسطيني ) ، اللذين كان من المفروض أن يكونا طرفا واحدا ، ظلّت لما يزيد عن سبعين عاما قائمة على منطق العبئيّة التّاريخيّة ، وليس على منطق الشراكة في المصير ، فالعرب الرّسميون ، تعاملوا دائما مع القضية الفلسطينية كعبء تاريخيّ ، وبحسابات دقيقة يجب أن توازن دائما بين ضرورات تسويق الموقف وضمان الموقع . ثنائية الموقف والموقع حكمت هذه العلاقة في أوقا ت الحرب والسلم لعقود طويلة .. فقد كانت الحروب التي خاضها العرب كلّها ، بدءا من 48  ووصولا إلى 2006 مرورا ب56 و 67 و73 و82 ، كانت حروبا محدودة الأهداف سياسيّا ، ولم تكن حروب تحرير أو تثبيت وجود ، ولذلك جاءت كلها سريعة ومحكومة بأهداف محدودة مجاليّا وسياسيّا .
حرب 48 كانت إجراما تاريخيا في حقّ القضية الفلسطينية ، لأنها أعطتها منذ البداية صفة الحرب الإقليمية بدون أن تتحقق لها تلك الشروط ، هذه الحرب التي اندلعت بعد صدور قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية وإسرائيلية وفى بداية الحرب عانى الفلسطينيون من هزال الدعم العربي بالسلاح والعتاد لدرجة مأساوية وحتى دخول الجيوش العربية إلى ارض فلسطين تمكن الفلسطينيون من الحفاظ على نحو 82%من الأرض رغم النقص الشديد في كل شيء  قياسا باليهود وقد مثل دخول الجيوش العربية السبعة قصة مأساة أخرى فلم يزد عدد مقاتليها مجتمعه على 24 ألف مقابل أكثر من 70 ألف يهودي وعانت من ضعف التنسيق فيما بينها وجهلها بالأرض ومن أسلحتها القديمة و الفاسدة كما عانى بعضهم من سوء قياداته فضلا على ان احد هذه الجيوش كان بين ضباطه الخمسين الكبار 45 بريطانيا . وكان من نتائج هذه الحرب الخاسرة ان أعلن اليهود دولة إسرائيل فى مساء 14 ماي 1948 وتكمنوا من هزم الجيوش العربية  والاستيلاء على نحو 78%من ارض فلسطين وقام اليهود الصهاينة بتشريد أكثر من ثلثي الشعب الفلسطبنى ودمروا (478) قرية من أصل 585 قرية كانت قائمه قبل الحرب وارتكبوا 34 مجزرة خلال الحرب و أثناء عملية التهجير . لقد مزقت هذه الحرب النسيج الاجتماعي والاقتصادي للشعب الفلسطيني فوجد نفسه مشردا في العراء ، نتيجة للحسابات العربيّة الخاسرة .
بقية الحروب كان العرب يخوضونها بحسابات الربح والخسارة داخليا ، فكانت هزيمة 67 ونتائجها الكارثية ، وكان فيلم 73 الّذي خرج منه العرب بنصر وهميّ إعلاميّ ، استغلّه العسكر لمزيد الرّكوب على الشّعوب ، وصدّق العرب أكذوبة الانتصار في حين أنها كانت نكبة أخرى أنتجت كامب ديفيد ، فأخرجت مصر نهائيا من المعادلة ، وتفرّغت إسرائيل بداية من الثمانينات لتحطيم العراق ، وتصفية القضية الفلسطينية في آن واحد فانتهت إلى أوسلو ...
لأول مرة يسقط الفلسطينيون عن كاهلهم عبء ( الدعم العربي) والوصاية على المصير ولذلك نراهم اليوم ينتصرون ...
لم يعد يعنيهم حسابات الدول العربية في علاقاتها بالدول الكبرى ، وما عاد يكبلهم احتمال قصف القاهرة أو عمان أو دمشق ، أو احتلال هذه العاصمة العربية أو تلك ، ولا الحسابات الحزبية لهذا المتنطع العربيّ أو ذلك المقامر أو ذلك المغامر ...
فلسطينيو غزة تحرّروا تماما من سكين العرب المسلط دائما على رقابهم أكثر من إسرائيل ... الحصار حرّرهم تماما ، والتواطؤ و التّجاهل والتّآمر صار نقطة قوة في صالحهم ، لأنه أقنعهم نهائيّا بأن المعركة لا تخاض إلاّ على الأرض الفلسطينية ، وبوسائل فلسطينية ، وبأهداف فلسطينية .
من هنا جاءت غزة .. !

 ــــــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي ـــــــــــــــــ

samedi 26 juillet 2014

زياد الهانة ... والثّور .. / عبد اللطيف علوي

زياد الهانة ... و الباقي تكمّلوه  .. / عبد اللطيف علوي
***********************
حكاية الضّفدعة والثّور .. تعرفوها ... تلك التي أرادت أن تتضخّم ، فكان انفجارها .. 
كذلك زياد ( هانا باش نرجعوا من جديد إلى عصور زياد ويزيد وزيادة ..) سي زياد أيضا تكاد تسمع .... ــــه لا ينقطع وهو ينتفخ ويتضخّم ويتشحّم أمام مرآته النرجسية ... ويسألها : مرآتي .. يامرآتي ... من أجدر منّي بالرئاسات ؟؟؟
فتقول له : ... أنت أو لا أحد ..
طبعا أن يترشح فذاك شأنه السيادي الذي لا يملك أحد أن يسلبه إياه ( وإن كنت أتمنى أن توجد صيغة ما لكي لا تصبح الرّئاسة مثل أراجيح دحدح ، يركض إليها اللي يسوى واللي ما يسواش )
لكن أن يخرج علينا السوبرزياد ، و يتكشّف ويتنطّع كالجحش الرّبعي أمام الكاميراوات ( الصّديقة بحكم وحدة الدم والهم والمصير ) ويقول الزعيم الهمام : 
لو كنت مكان المرزوقي لحملت سلاحي وصعدت إلى الشعانبي ..
وفي رواية أخرى :
أنا جندي احتياط ومستعد للصعود إلى الشعانبي ..... 
أبببببببْ هاو التسرديك السياسي الانتخابي ... هاو الرّدك الصحيح ...
اللي ما تعرفهوش يا سي المربّع ( خليني ناخذ بايي فيك توة قبل ما تولي سيدي الرئيس .. السوبرزياد على البلاد والعباد ) 
اللي ما تعرفهوش أنه الرئيس إذا فعل ما تقوله فهو بهيم و مضبّع وخائن يجب محاكمته بتهمة الخيانة العظمى .. قلّي علاش يا سي عنتر ؟ نجاوبك ..
لأنّ مهمة الرئيس ماهيش التفوريخ والتنقيز و تحقيق النزوات متاعو حتى ولو كانت صادقة ، على حساب وظيفته الكبرى ، وإلاّ كمّل قوللنا أنّه يولّي زبّال مع الزّبّالة ، و إطفائيّ كي تصير حريقة ، وحوّات و عزّام إذا لزم ... 
 مهمته أن لا يبرح مكانه في قيادة السفينة و أن يحمي المصير المشترك والوحدة الوطنية ... مهمته أن يكون الجندي الأول ، ولكن ليس بمفهوم التبلعيط متاع القصّر اللي كيفك ... هو فعلا يصعد مع كل جندي إلى الشعانبي ، ولكن من خلال القرارات الوطنية وتحقيق شروط بقاء الدولة و القيام بالوظائف الكبرى التي لا معنى لتضحيات ذلك الجندي بدونها ... 
إذا كان تحب تعبرلنا عن شجاعتك في مواجهة الموت في الشعانبي ، فالشجاعة أحيانا أن لا تموت ، الموت في حدّ ذاته ليس إنجازا ... في النهاية الجميع يموتون ، لكن قليل منهم من يبقون على قيد الحياة 
الرئيس الذي نريد يا سي الهانة هو الرئيس الحيّ ، وليس الرئيس الذي يترك دفّة السفينة والمهمة الكلية ليتنطع في دور البطل الدونكيشوتي ، أم أنك ميتومان ، مسكون بدونكيشوت ...
لكن على كل حال أنا أعرف أنك لا تعني حقيقة ما تقول ، ولا تفكر فيه أصلا ، وليست لديك واحد في المليون من شجاعة المرزوقي لتزايد عليه في هذا الشّأن ( ولو كانت فيك لعلمناها أيام كانت الرجولية تباع في السوق السوداء ، موش كيما توة : الرجولية ولاّت تتباع بالكدس في سوق ليبيا ) لكن مع ذلك ... باش الهوكش السياسي ما يبداش يغنيلنا في أغاني جديدة متاع ناس مشكلتهم الأصلية هي كثرة السموم الغازية والتلبك المعويّ و انتفاخ المصران الغليظ و كلّ الزوائد الأخرى اللّي تؤدّي في النهاية إلى حالة ........ كيما اللي عندك ...
ــــــــــــــ
خلينا من الفذلكة توة ونحكو بجدّ شويّة ... بيناتنا ... موش ملاحظين اللي الرئاسة مواتياتو على قوة جهدها ... موش ملاحظين السّرّ اللي هبط عليه ملّي قرّر يترشّح للرئاسة !!!!!
ــــــــــــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي ــــــــــــــ

حالة سيادة / عبد اللّطيف علوي


من معاني عيد الجمهورية : السيادة 
حين تكلم المرزوقي بتلك اللهجة الخارجة عن فيتو الأعراف الديبلوماسية ( الحكيمة ) ، وعبر عن ألمه ممّا يحدث في غزّة ، لم يفعل ذلك فقط كعربيّ مسلم لا يستقيم انتماؤه لأمّته ودينه إلاّ بتضامنه الكامل مع إخوته ، وليس فقط كحقوقيّ لا تتحقّق إنسانيته إلاّ بنصرة الحقّ والعدل حيثما ساد الظّلم والطّغيان ، بل كصاحب قضيّة وشريك مباشر في المصير ... فمن السّخف و قصر النّظر أن نصوّر نصرتنا للقضية الفلسطينية كما لو كان تضامنا إنسانيّا في قضيّة تعني الآخرين ... نحن كعرب جميعنا معنيّون تماما كأمّة وكدول ، استراتيجيّا وعسكريا بمسارات هذا الصراع التاريخي ونتائجه ، لأنّ كل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة صارت منذ 70 عاما محكومة بتطورات هذا الصراع ومآلاته .. نحن لا ننصر أحدا ، بل ننتصر لأنفسنا ، هذا هو الإطار الصحيح للحراك الشعبيّ العربيّ الغاضب ضدّ ما يحدث في غزّة ، هذا ما يجب أن نعلّمه لأبنائنا : إنّ مصيركم كأشخاص وكدول مرتبط بأثر الفراشة ، هناك في أرض الرّباط ... 
عندما تكلم المرزوقي كمُنْتَمٍ أصيل لهذا الشّأن ، لا شكّ أنّه كان يدرك تماما أنّه بذلك قد أخرج نفسه كلّيّة من قطيع الحكّام العرب المطابقين للمواصفات السّايسبيكويّة ، و لا أظنّ أنّ مصير مرسي كان غائبا عنه ، فنحن في زمن - شئنا أم أبينا - ما زالت أمريكا تحتفظ فيه بخطّ تصنيع الحكّام في العالم الثّالث وفق مواصفات قلّما يشذّ عنها هذا أو ذاك ، وهو في حالة الشّذوذ يصنّف كَمُصنّع مَعِيب لا بدّ من سحبه من السّوق فورا ...
لكنّ أمثال المرزوقي يؤمنون بالفروسيّة وإن سقط الفرسان ، وبالصّمود و بالبطولة وإن سقط الأبطال .. ومن قال إنّه لا يجب دفع الأثمان الباهضة مقابل القيم الكبرى ؟
الخروج يوم 25 جويلية بالذات بدعوة من أعلى رمز في الدّولة ، للتّعبير عن موقف قوميّ مبدئيّ و مناكف لكبار الوصاية الدّوليّة ، كان يعني ببساطة حالة سيادة ، سيادة السّلطة في مواقفها وسيادة الشّعب في مجاله العامّ ... وهذا أساسيّ ..
الأهمّ فيما رأيناه في الشارع الكبير ، ليس صراخ الكبار وبكاءهم من التّأثّر الصّادق ، وليس الموقف السياسي والشعبي الذي تمّ تبليغه من خلال كلّ ذلك ( على أهمّية كلّ ذلك ) وإنّما كان شيئا آخر جديدا وعظيما تماما : إنّه مشهد أولئك الصبية والبنات الصّغار على أكتاف آبائهم وأمّهاتهم وهم يهتفون بحناجرهم العذراء بحياة فلسطين وصمود غزّة وسقوط رأس الأفعى الصهيونية و حاويات القمامة العربية المسمّاة مجازا حكومات و جيوشا ومنتجعات .. هذا هو الأهمّ في كلّ ذلك ..
حين يتربّى أبناؤنا على الإحساس بامتلاك المجال العامّ ، وعلى الإحساس بالانتماء إلى الحشود المؤلّفة المشتركة في القيم والاحتياجات والحركة ، حين يتعلّم أبناؤنا التّخلّص من الفردانيّة la désindividualisation في المهامّ الوطنية الكبرى ، وحين يتربّون على أنّ القضية الفلسطينيّة هي قضيتهم الشّخصية ، ويجب أن يصرخوا بمواقفهم عاليا في أوج السّماء ، وليست قطعة حشيش يتبادلونها سرّا من جيب إلى جيب ... سيكون لدينا غدا إن شاء الله جيل متحرّر وقادر على التّحرير ..
لقد كانت حالة سيادة .. حالة نحلم ونطمح ونسعى إلى أن نجعلها سمة دائمة في أوطاننا لا مجرّد لحظات حلم عابرة في الزّمن العربيّ البائس ... 

ــــــــــــــ عبد اللّطيف علوي ــــــــــــــــ

mercredi 23 juillet 2014

كلّنا جنود لإسرائيل| عبد اللطيف العلوي


منذ أيّام ، وإسرائيل تعجن اللحم العربيّ تحت أنقاض المباني ، والإحساس بالذلّ والقهر يتصاعد مرّا في الحلق ، والروح أبرد ما يكون …
ليس استثناء ما يحدث ، فقد عودتنا إسرائيل على أن تصبّ جحيمها دوريّا على إخوة لنا .. هنا أو هناك .. لكنّ الجديد هذه المرّة ، أمرّ بكثير من كلّ جرائم اليهود على مدار التّاريخ ..
قبل ثلاث سنوات … كان للحالة الشعبية العامة إزاء مثل هذا العدوان حرارة مختلفة ونقمة مختلفة ، نوجّهها دائما نحو هدف معلوم بنفسه هو إسرائيل ، وإن كنّا نعرف في قرارة أنفسنا ، أنّ إسرائيل ما كانت لتوغل في دمائنا لولا التواطؤ العربيّ الرسميّ المباشر وغير المباشر ، وكلّ مفردات ذلك الخطاب الّذي لطالما كان بداهة مسلّمة بين كل ألوان الطّيف ، ولم نكن نحتاج أن نقنع أنفسنا بذلك ..
اليوم ، تأتي هذه الجريمة الجديدة وقد انكسر فينا شيء ، لن يستقيم قبل عقود كثيرة …
بعد الربيع العربيّ ، أكبر إنجاز قدّمه حكّام العرب – ومعهم كلّ من اصطفّوا معهم في سحق شعوبهم وإبادتها وإذلالها – هو نزع صفة البشاعة والإجرام والفظاعة عمّا تقوم به إسرائيل ، أمام العالم ، وأمام العرب أنفسهم … كيف تقنع العالم بأن إسرائيل ترتكب الجرائم ، وهي – إذا قارنّاها ببشار فيما يفعله بشعبه – ليست سوى طفل لاهٍ غرير بريء طاهر ؟ كيف تقارن من يقتل 40 أو حتى 100 في بضعة أيام ممن يعتبرهم أعداءه الاستراتيجيين ، بمن يقتل 1400 طفل وامرأة وشيخ بالكيمياويّ في بضع ساعات ويمحق ما يقارب النصف مليون ويشرد ثلث سكان البلد و يعذب ويغتصب في تراجيديا جهنمية لا حدود لوصفها ، ثمّ يأتي بعد ذلك من مثقفي العرب والممانعين والقوميين من يرفع صوته وإبهامه للدفاع عنه ، بل لإسباغ كل صفات البطولة عليه ؟؟
كيف تقنع العالم بأنّ إسرائيل ترتكب إبادة في حقّ شعب – غير شعبها – وهو يرى السيسي يحرق ويردم بالجرافات في بضع ساعات الآلاف من أبناء شعبه ، في الساحات العامة و عبر البث المباشر للإعلام المهلل والمبشر .. والمثقفون .. الآلاف من المثقفين ، حتى الذين كانوا منهم بالأمس أسودا يرفعون على الأعناق في ملاحم النضال الاجتماعي أو السياسي … تراهم يسيلون الحبر المسموم في عروقنا ليبرروا وينظروا ويشرّعوا المزيد من الإبادة لطرف لعنوه واستحلّوا دمه وعرضه وماله ..؟؟ كيف بعد ذلك نستطيع النظر إلى ما تقوم به إسرائيل ؟؟
كيف نعتبر ما تقوم به إسرائيل جريمة في حقّ غزة ؟ ونحن هيّأنا لها الفريسة وطاردناها وحاصرناها وجوّعناها ونزعنا عنها حتى شرعية المقاومة ووصفناها بالإرهاب والتكفير وحتى العنصرية…
حتّى نحن الشعوب ، جريمتنا لا تقلّ عن جرائم حكامنا ، لأننا لا نتذكر غزة الا على إيقاع النار والدم والخراب ، ثمّ سرعان ما نعود إلى غيبوبتنا اللذيذة ، وننسى أنّ أولئك المحاصرين مازالوا بشرا يعانون ولم يتحولوا إلى مجرد تماثيل أو لوحات تذكارية في متاحف العذاب البشريّ …
لتسقط كلّ الدموع الخائنة ، لتسقط كلّ القصائد والأغاني الباكية ، لتسقط كلّ الشعارات الكريهة الباردة ، ليسقط كلّ شيء ، مادامت إسرائيل ليست سوى .. نحن ..

فلسطين ... ليست أمّ المعارك


لسنوات طويلة أقنعنا الخطاب الدعائيّ العربيّ ، بأنّ أمّ معاركنا نحن العرب هي حصريّا مع رأس الحربة الاستعماريّة في الخاصرة العربيّة : إسرائيل ...
 الخطاب الرّسميّ كذلك كان من مصلحته أن يحرص دائما - ولو عبر الوكلاء المنتدبين - إلى تسويق هذا الخطاب ، لأنّ في ذلك حرفًا لبوصلة الشّعوب عن المعركة الأولى اللاّزمة شَرْطيًّا للمعركة الثانية ، وهي حرب الوجود الداخلية ضد الصهيوني الطبقيّ والصهيوني السياسي والصهيوني الايديولوجي والصهيوني المالي والصهيوني الإعلامي ... إلخ 
 وبذلك استطاع الخطاب الدّعائيّ السياسي - الإعلاميّ - الثقافي العربي أن يُغيب معركة الشعوب لتقرير مصيرها داخليا ، وفي نفس الوقت أن يفرغ المعركة الثانية من شروط تحقيقها لأيّ اختراق تاريخي حقيقي منذ عشرات السنين .
نتذكر كيف أطلق صدام حسين سنة 1991 على حرب الخليج الأولى - من جهته - تسمية أم المعارك ، و كان يعول من خلال ذلك ( أي من خلال تصوير الحرب على أنها معركة لتحرير فلسطين ) على أن يحشد أقصى ما يمكن من التعبئة الشعبية الداخلية والعربية والإسلامية ، 
غير أن أي يقظ أو منتبه ولو نصف انتباه ، كان يعرف أنه مرة أخرى يستعمل اسم فلسطين كشعار مضلل للابتزاز الدعائي و للتعمية عن غبار معركة أخرى ، في خلفية المشهد ليس الإنسان العربي سوى العنصر الممتهن فيها وبكل الأشكال ..
ورأينا كيف انتهت ( أم المعارك ) الصّدّامية ، بسقوط مدوّ تدريجيّ استمرّ لعشر سنوات اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ، وانتهى بانهيار كامل لمنظومة المقاومة على الطريقة الرسمية في العراق ،
 والحقيقة أنه لا أحد ممّن يدّعي الإدراك وسلامة التوقع كان ينتظر غير ذلك .. فقد أثبتت كل الحروب العربية مع إسرائيل ، أو التي رفع فيها شعار الحرب من أجل فلسطين ، أثبتت أنه من العبث والعمى السياسيّ أن نتصور أنه بإمكاننا مواجهة أي عدو خارجي - إسرائيل أو غيره - بإنسان عربيّ مهزوم من الداخل ومذلول و مفقّر ومخصيّ سياسيّا و مواطنيا ولم تتحقق له أدنى شروط الانتماء الوطنيّ فضلا عن القوميّ ...
الربيع العربيّ أحدث الانقلاب الاستراتيجيّ المرعب بالنسبة للصهيونية و خلفيات المشهد بكل تحالفاته الاستعمارية والرجعية العربية والمافيويات العائلية الأوليقارشية المتحكمة في أقدار الإنسان العربيّ ومقدراته ... ومن هنا جاء القرار الدولي بتصفية الربيع العربيّ ، وبأقصى ما يلزم من الدموية والعنف لبناء ذلك الحاجز النفسيّ التاريخيّ الذي سيحول - مجددا - دون أيّة محاولة جديدة لإعادة النفخ في نار بوعزيزي جديد - حتى وإن كان جمعيا في صيغة الآلاف - ..
 أيها العربي المقهور ... ابدأ معركتك الكبرى من أول متر مربع تقف عليه ، و لا تركن مجددا إلى خطاب التعمية مهما بدا مريحا وسهلا وجذابا ... معركة غزّة ما كانت لتستوفي شروطها التي نراها اليوم لولم تخض المقاومة معركتها الأولى ضد فصائل الدحلانيات والعباسيات والقريعيات في القطاع ... وكذلك أم المعارك بالنسبة لباقي الشعوب العربية ، يجب أن تكون مع خط برليف الثاني الذي ثبته الصهاينة داخل كل بلد عربيّ ، خط الاستبداد و الفساد و التضليل الاستراتيجيّ الدائم .
ـــــــــــــ عبد اللطيف علوي ــــــــــــــــ

vendredi 6 juin 2014

الفجر تحاور الشّاعر : عبد اللّطيف علوي


-       حاوره الشّاعر بحري العرفاوي - 


       التقيته أوّل مرّة منذ حوالي ربع قرن في أمسية ثقافيّة نظّمها الطّلبة بكلية الآداب بمنّوبة ، و كان برفقة أستاذه الشّاعر عبد المجيد بني عمر ... بعد أن استمعت إلى إحدى قصائده الملحميّة ، يومها كان تعليقي : تحيّة إلى أستاذ الشّعراء عبد اللّطيف علوي ... وكان ردّه : لقد وصفتني بأكثر ممّا أستحقّ .. واليوم بعد ربع قرن أجده في نصوصه أعمق معنى وأجمل قولا وأوضح رؤيا ..
يسرّ جريدة الفجر كعادتها أن تقدّم إلى قرّائها الكرام شاعرا مبدعا في مصافحة أولى ..
      نبدأ من حيث انتهيت ، عنوان مجموعتك الأخيرة : " خيبات طفل عظيم ..." هل يشعر الشّاعر عبد اللّطيف علوي بأنّ أحلام الشّعراء خارج قانون التّاريخ أو أكبر ممّا يمكن أن يحقّقه واقعنا العربيّ ؟
      في البداية أشكرك أخي بحري لكلماتك العظيمة في حقّي ، وأرجو أن أكون بها جديرا .. حين تأتي الشّهادة من شاعر كبير مثلك ورمز من رموز المقاومة الثّقافيّة في هذه البلاد لما يزيد عن ثلاثة عقود ، فإنّها لا تزيدني إلاّ فخرا واقتناعا بأنّي قد سلكت الطّريق الصّحيح رغم ما فيه من مطبّات ومزالق وأوجاع وخيبات .. أمّا عن سؤالك أخي الكريم ، فإنّي قد قلت في قصيدة : "الساعة منتصف العمر .. ": " لمْ أَنْجُ من قدرِ الشّعراءِ بأن يُدفَنُوا في قبور تضيق بأرواحهم .." وأعتقد أنّ الشّاعر الحقيقيّ – لا أتحدّث هنا عن صفة الشّاعر الّتي تطلق بالمشاع على كلّ من يدّعيها لنفسه – الشّاعر الحقيقيّ لا يحلم خارج إطار التّاريخ أو الواقع ، وإنّما هو يبشّر بواقع آت أو ينذر بخرابٍ قادم ، أو يستشرف ما لا يراهُ الأغبياء فيظنّونه هذيانًا ... أحلام الشّاعر لا يجبُ أن تُؤخَذ على معنى اليوتوبيا والمثاليّات والرّومانسيّات المنسيّات ، وهو بالمناسبة ما يريد الخطابُ المتخلّف أن يرسّخه في نظرتنا إلى الشّاعر ، أحلام الشّاعر هي التّي تعبّر عن روح الحياة بما فيها من قيم وجمال وسموّ وإنسانيّة مفقودة ، ولذلك فإنّ الشّعر الّذي أراهُ لا يمكن أن يكون إلاّ رسالة ومشروعا وموقفا ... خاصّة حين تمرّ الشّعوب بفترات الارتداد الحضاريّ وتعاني من أمراض الاستبداد والمسخ الثقافي والسُّخرة الاجتماعيّة ، وفي مراحل المخاضات التّاريخيّة الكبرى من مثل ما نعيشه اليوم في عالمنا العربيّ .. في هذه المراحل تحديدا لا يمكن للتّاريخ أن يغفر للشاعر نكوصه أو لا مبالاته أو انشغاله بمقولات العبث الشّعريّ أو نظريّات الفنّ للفنّ .. كلّ واقع جميل يبدأ حلما جميلا ، ولكنّ الشّاعر مطالب بأن لا يكتفي بمجرّد الأحلام ، عليه أن يحمل الهمّ الوطنيّ والقوميّ ويغرس رجليه في الطّين مع الفلاّحين ويديه مع الكادحين وقلبه وجسده وعقله مع المقهورين والمنبوذين والعشّاق وحتّى المجانين ..
    تعرّضت وأنت تلميذ وطالب إلى السّجن السّياسيّ والملاحقة الأمنيّة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ، هل شعرت بأنّ الشعر قد جنى عليك أم أنّك كنت ضحيّة شبهة انتماء ..؟
    لا شكّ أنّ تلك الفترة كانت من أحلك ما عاشته بلادنا في تاريخها الحديث ، وقد عشت المحنة كما عاشها الآلاف من " أحباب الله " ، والتّعبير هنا للصّديق كمال الشّارني في روايته التي تحمل هذا العنوان ، وبالمناسبة ، كنّا نزيلين في نفس الغرفة بالسجن المدنيّ بالكاف ، .. أقول إذن إنّني تعرّضت لما تعرّضت إليه بصفتي شاعرا وبصفتي ناشطا حركيّا ( لا أستطيع أن أقول سياسيّا لأنّه آنذاك لم يكن هناك أيّ وجود لنشاط سياسيّ بالمعنى المتعارف ..) حيث أنّني قد انجرف وعيي مبكّرا إلى مناطق التّناقض الموضوعيّ بين السّلطة القمعيّة الغاشمة والشّعب المغصوب ، فوجدت نفسي معنيّا بأسئلة المصير والحرّية والانتماء والهويّة ، وبدأت قصائدي تأخذ منحى تحريضيّا واضحا ضدّ النّظام ومتلبّسا بهموم المرحلة ، كان النّظام يريد من المثقّف أن يرتدي حلّة الأعياد في المآتم والجنازات ، لكنّني لم أكن أحتمل ذلك ، وكان لا بدّ من دفع الثّمن ... فدفعته غير آسٍ ولا آسِفٍ ولا نادمٍ على ذلك ، ولو قدّر لي أن أعود إلى نفس المنطلق لاخترت نفس الطّريق ..
هل جنى عليّ الشّعر في ذلك ؟ لا أعتقد ... بل على العكس تماما ، لقد كان شرفا عظيما أن خصّني الله تعالى بأن أكون من ضمن من استثناهم بــ  "إلاَّ ..." في سورة الشّعراء .. الشعر سلاح عظيم منذ أيّام العرب الأولى وهو أيضا "منهاج في الحياة " كما يقول "لويس آراغون "، وليس مجرّد ممارسة فنّية إبداعيّة مجرّدة ، أو تهويمات مغرقة في الذّاتيّة المغيّبة ، أو شطحات عُصابيّة مرضيّة كما نراه اليوم في أغلب المنابر والمنتديات ..
أمّا عن شبهة الانتماء ، فإنّك لم تجانب الواقع كثيرا في ذلك ، وأنا بالمناسبة لا أؤمن بتلك الهالة القدسيّة الّتي يريد بعض الشّعراء أن يدّعوها لأنفسهم ، فيتعالون بذلك عن الفعل السياسيّ بحجّة الاستقلاليّة ، أو الحقوقيّ أو المدنيّ في كلّ تمظهراته ... حتّى وصلنا اليوم إلى ما يشبه الحديث عن تحييد الشّعر بعد تحييد المساجد والإدارة ووو ...
أنا رجل أنتمي إلى مبادئي أوّلا ، وإلى حضارة عربيّة إسلاميّة أؤمن بقدرتها على النهوض من جديد والاستجابة لحاجيات الإنسان الحديث المادّيّة والرّوحيّة ، وإلى كلّ القيم العظيمة التي أسّسها البشر في تاريخهم الطّويل ... أمّا الاستقلاليّة فهي حالة ذهنيّة ونفسيّة وسلوكيّة بإمكانك أن تحافظ عليها بقطع النّظر عن انتمائك السياسي أو الايديولوجيّ ..
     أنت من مدينة بوسالم ، ومنها تناسل شعراء كثيرون مبدعون .. هل ترى للمكان أثرا لاستنبات الشّعر والشّعراء ؟
     لا أعتقد ذلك ، وإن كان بعض النّاس يرتاحون لمثل هذا الرّبط الجغرافيّ ، فالثّابت أنّ الشّعراء المُجِيدين قد وجدوا على مدار التّاريخ في شتّى الأماكن المختلفة مناخيّا وبيئيّا إلى حدّ التّناقض أحيانا ... غير أنّي أميل أكثر إلى الاعتقاد بأنّ للأمر صلةً بالحالة الاجتماعيّة والمزاجيّة العامّة إضافة إلى الحيثيّات والخصوصيّات الثّقافيّة لمنطقة ما ... ففي بوسالم مثلا ، كان لنا الحظّ أن وجدت في أواسط الثمانينات نواة لمثقّفين نوعيّين طموحين ، اتّسموا كثيرا باتّساع الأفق و حماسة المبادرة ، فأسّسوا مهرجان الربيع الأدبي ، وكان يحضره سنويّا الكثير من الأسماء المعروفة على المستوى الوطنيّ ، بالتّوازي مع نادي الأدب الذي كان ينشط أسبوعيّا بدار الثقافة وينفتح على الوسط التّلمذيّ بالمعاهد المحيطة به في شكل مسابقات وندوات وأنشطة متنوّعة.. كلّ ذلك أدّى في النّهاية إلى بروز حالة إبداعيّة عامّة لا يخطئها النّاقد أو الملاحظ عموما ...
    بعد 14 جانفي تكشّفت السّاحة التّونسيّة عن شعراء كثيرين كانوا مقهورين ومحجوبين ... هل ترى أنّ الحرّيّة منتجة للإبداع أم مهدّدة له ؟
    لا شيء ينمو أو يتطوّر بدون الحرّيّة في كلّ مجالات الحياة ، فكيف إذا تعلّق الأمر بالشّعر والإبداع عموما ؟ ... الاستبداد يخلق أشكالا مرضيّة من الفنون المنفصمة عن واقعها وحتّى المعادية له ، وقد يبلغ بها الأمر أن تصبح أدوات فتّاكة تشكّل العقول حسب قوالب الثقافة التي يروّجها المستبدّون دائما : ثقافة العجز وقلّة الحيلة واللاّمبالاة والتّسليم الأعمى وتجريم الذّات إزاء كلّ ما يصيبها ..
الكثير من المبدعين الأحرار ، في تونس ، كما في غيرها ، عاشوا تلك الفترة بغصّة مقيتة في الحلق وحجر جاثم في الصّدر ، فلا هم يستطيعون أن يعبّروا عن سواد الواقع و بشاعة الجريمة الشاملة التي كانت ترتكبها أنظمة المناولة الاستعماريّة ، ولا هم يستطيعون أن يدفعوا ثمن الكلمة الحرة ، تلك التي كان النظام يحاربها أكثر من أيّ شيء آخر ، لأنّها بالنسبة إليه سلطة مضادّة لسلطته القائمة على تمكين الخوف .. ، وحتّى إن وجد من تجرّأ على كسر جدران الصّمت ، فإنّ صوته سرعان ما يخنق ويلقى به في مجاهل النّسيان ..
لذلك رأينا هذا الانبعاث الفجئيّ / المفهوم لأصوات نوعيّة كثيرة بعد الثورة ، وهي لا شكّ تحتاج إلى غربلة هادئة على أسس نقديّة فنّيّة ، و لا يجوز الاستمرار في الاحتفاء بها لمجرّد ما تحمله من المظلوميّة السّابقة أو الشهادة على العصر ..
     ما مكانة الشّعر والشّعراء في هذا المشهد المهووس بالسّياسة والايديولوجيا ؟
أن يكون المشهد مهووسا بالسياسة والايديولوجيا ، فهذا أمر طبيعيّ تماما ، وأكاد أقول صحيّ أيضا .. ، في فترة غليان انتقاليّ ومخاض تاريخيّ لهذه الأمّة .. فقد عشنا عقودا في صحراء سياسيّة وغصبٍ ايديولوجيّ رسميّ ، ولم يتسنّ لهذه النّخبة أن تطرح قضاياها ومقولاتها في إطار طبيعيّ مدنيّ قبل الثورة ، فكيف وقد اندفع السّدّادُ فجأة وخرج الجنّيّ الّذي كان محبوسا داخل قارورة كلّ منّا دفعة واحدة ..؟؟ هذه المرحلة المفصليّة تحتاج إلى كثير من التّجريب السياسي ، ولو وصل الأمر حدّ التّدافع ، كما تحتاج إلى تصادم الايديولوجيّات واحتكاكها حتّى تتآكل تدريجيّا و تفقد عنف الوثوقيّة داخلها ، فنصل إلى مرحلة اللاّايديولوجي واللاّسياسويّ ..
مع ذلك يبقى الشّعر – لمن يفهم المعنى الحقيقيّ للشّعر- المعبّر الأصدق عن روح هذه المرحلة وتحدّياتها وقيمها ، الشّعر معنيّ بأن يقاوم توحّش السّياسة ودوغمائيّة الأيديولوجيا ، ويعيد المعركة إلى أسسها الحقيقيّة المتمثّلة في قيم الحرّيّة والعدالة والمواطنة والبناء ... ولا يكون ذلك إلاّ بشعراء منتمين إلى هموم أوطانهم ، منخرطين في الشّأن العامّ ، يعبّرون عن مبادئهم بكلّ حرّية و مسؤوليّة ولا ينخرطون في موجات النّفير العامّ بدون أن يقدّروا مصلحة الوطن في ذلك أو عدمها ..
    ماذا لو طلبنا منك أن تختار مقطعا شعريّا من مجموعتك الشّعريّة الأخيرة تهديه لقرّاء الفجر ...
     قبل ذلك لا يسعني إلاّ أن أجدّد شكري لجريدة الفجر وللقائمين عليها ، وإليك أخي بحري بشكل خاصّ ، وأهدي لقرّائكم المحترمين هذا المقطع من قصيدة : "بلادي قصيدة .. " ولعلّه يعبّر عن كثير ممّا دار بيننا في هذا الحوار الجادّ :
  أنا يا كرامُ ثقيلُ اللّسانِ ،
ولا أُتْقِنُ الغزلَ الموسمِيَّ على شاشةٍ أو جريدَهْ ..
بلادي قصيدَهْ ..
ولمْ أرَ فيمَنْ أرى بينكم من يَصيدُ القصيدَهْ
وأعرفُ .. ما أكثرَ الشّعراءَ الّذين تغنّوْا بأنهارِها ..
أو بأشجارِها أو بأقمارِها أو بِأقدارِها ..
والّذين تغنَّوْا بأعيادِها
أو بجلاَّدِها أو بأمجادِها رغمَ حُسّادِها..
والّذين عَمُوا عن زهورِ الطّفولةِ تقصفُها الرّيحُ من حولِهِمْ
ومَضَوْا يَصِفُونَ البنفسجَ والياسمِينَ ،
وجنّاتِ عَدْنٍ على أرضِها فاتِنَهْ ..
ليس لي يا كرامُ فصاحَتُهُم في المديحِ ،
ولا في التّذلّلِ أو في التّوَسُّلِ بالأدمُعِ الخائِنَهْ ..
أنا يا كِرامُ بلادي قصيدهْ
وعشٌّ حزينٌ على غُصنِ زيتونةٍ في العراء تموتُ وحيدهْ
يُجرّحُنِي عِطْرُها اللّيلكيُّ
إذا لمْ يُضمّخْ شوارِعَها كلَّها والرُّبى والبُيُوتَ البعيدَهْ ..
وكاذبَةٌ شمسُها والنّجومُ ..
إذا لمْ يَرِفَّ لها كلُّ قلبٍ كسيرٍ
ويبتَلَّ من نورها كالغُصُونِ الوليدَهْ
وزائِفةٌ كلُّ أقمارِها المُشتهاةُ وأخبارُها …
كلُّ أعيادِها، وبطولاتُ أجدادِها،
وملاحمُ أيَّامِهَا الخالِداتِ المَجِيدَهْ
إذا لم يكنْ للمَلاعينِ فيها نصيبُ ..
وللرَّاقِصينَ حُفاةً على الجمرِ أيضًا نصيبُ ..
وللواقفينَ على شُرفَةِ الرّيحِ والموتِ في حبّها
كالشّموعِ العنيدَهْ
بلادي قصيدَهْ
ولمْ أرَ فيمَنْ أرى بينكم من يصيدُ القصيدَهْ .
-       حاوره الشّاعر بحري العرفاوي - 

vendredi 2 mai 2014

بنتُ السّماءْ



هي ليستِ امرأةً بما يكفي ..
كما خُلِقَتْ نساءُ الأرضِ أجمَعُهنَّ من حوّاءَ حتّى آخرِ الملِكاتِ ،
ليستْ طفلةً موعودةً بكمالها في عالمِ النُّقْصانِ ،
وهْيَ كما أرى ..
شيءٌ قليلٌ من حقيقةِ ما جرَى ..
ولأنّني في الأصلِ إنسانٌ بما يعني الشّهادةَ ، لم أزَلْ ..
شيخًا صبيًّا ذاهِلاً متعثِّرَا
ووددتُ لو أبكي عليها ساعةً ، أو بعضَ يومٍ ،
أو لأسبوعٍ ... وأُشفَى ..
غيرأنّي منذ أن سمّيتُها بنتَ السّماءِ كسرتُ ضلعًا داخلي ،
وتركتُ وجهي بين آلافِ الوجوهِ مُبعْثَرَا .
هي ليستِ امرأةً بما يكفي ..
لِتُعرفَ من بعيدٍ وهي مُقبِلةٌ برائحةٍ مميّزَةٍ لعطرٍ باذِخٍ ،
ما حدّثتْ عنها مجلاّتٌ كَـ " سيّدتي "،
ولا اعتادتْ نوادِي الرّقْصِ أو نزقَ الحرائرِ في العُلَبْ .
لمْ تعترفْ يومًا بعيدِ الحبِّ في زمنِ المهانةِ والغضبْ
لم تحتفلْ مثل النّواعِمِ بانتصاراتِ النّساءِ ،
وعيدِهنَّ وفضلِهنّ على الرّجال المُتعبينَ بلا تَعبْ .
لم تُطفئِ الأضواءُ شمعةَ روحها ،
كانت خواتمها بلا ثمنٍ ..
فراشاتٌ ترِفُّ على أصابعها النّديّةِ ، والخطى ..
مطرٌ شفيفٌ فوق أوراقِ العنبْ
أسماء يا من علّم الأسماءَ كانتْ
تعشقُ الشّعر الفصيحَ و تحفظُ القرآنَ ،
تغرَقُ في أحاديثِ السّياسةِ دونما رقصٍ على حبلِ الخُطَبْ ..
وهي ابنةُ العشرينَ ، أو ما دونها ..
ما كانتِ امرأةً بما يكفي ..
لِتلهمَ شاعرًا فيقولَ فيها مثلما غنّى جميلٌ في بثينةَ ،
والحديقةُ تحتَ شرفتها يحاصرُها العسَسْ
كانت تردُّ البابَ في خوفٍ وتصرخُ : يا أبي ..
جاء الحرسْ ..
وتشدُّ في وجع مخدّتها ، وتبكي .. يا أبي ..
لمَ دائما يأتون ليلاً عندما أحتاجُ حضنكَ يا أبي ..
وأنا أخاف اللّيلَ ،
ثمّةَ من يراني في الظّلامِ ولا أراهُ ..
أحسّ من حولي خُطاهُ ..
أحسّها تمتدّ نحو فمي وصدري يا أبي في اللّيلِ باردةً
وتخنقني يداهُ
هي ليستِ امرأةً بما يكفي لتصبحَ شهرزادَا ..
لم تقلْ يومًا سأُطفئُ جمرةَ السّلطانِ في لحمي ،
ولا قالتْ أريدُ العشقَ زادَا ..
كان يسكنها قطيعٌ من أرانبَ شبهِ راقصةٍ وغزلانٍ ..
وتحلمُ باكتمال البدرِ فوقَ حديقةِ البيتِ الصّغيرِ ،
كأنّما خُلِقتْ بلادًا .. للّذي يبكي البلادَا ..
وهْيَ مَنْ هي بين إخوتها .
تخاصمهُمْ إذا ظلمُوا ..
تُصالِحُهم إذا ندِمُوا ..
وتُمْعنُ في أمومتِها ، ..
كأنَّ بها شُعورًا أنّها سَتُزَفُّ قبل أوانِها للقبرِ،
مثلَ فراشةٍ حلُمتْ بنجمتها تُداعبُ خدَّها ..
وبأنّ دميتها ستبكي بعدها ..
وبأنّ دُميتها ستكبُرُ وحدَها ..
وهي ابنةُ العشرينَ أو ما دونها ..
لكنّها " أستاذَتي " ...
يبكي محمّدُ وهو يرثيها ولا يرثِي سواهُ ..
وينحني عمّارُ فوقَ ترابِها ، يوصيهِ : كنْ خجلاً حنونًا ..
فهي من كبدي ، ومن ضلعِ الملائكةِ احتضنها يا ترابُ وكن حنونًا ..
وهي سرُّ أبٍ كنانيٍّ عظيمٍ ..
عاتبتْهُ على حياءٍ ذات ليلتِها الأخيرةِ .. يا أبي ..
حتّى ونحن معًا هنا .. بالكادِ صرْنا نلتقي ..
فمتى يجودُ بك الزّمانُ لساعةٍ .. من دونِ خوفٍ يا أبي ..
يبكي محمّدُ ، ثمّ يحضنها بقلبٍ مُتْعبِ ..
ويرى صغيرتَهُ عروسًا بين آلافِ النّجومِ تَحُفُّها ..
فتقولُ : ليس الآنَ موعدُنا غدًا ... عند الظّهيرةِ يا أبي ..
وهي ابنةُ العشرين أو ما دونها ..
كانتْ سماءً مقمرَهْ
أو سروةً عطشى تنامُ هناكَ حالمةً بريحٍ مُمْطِرهْ ..
يأتي الصّباحُ ..
ولا تُفيقُ على أذانِ الفجرِ رابعةٌ كعادتِها ..
وتُنْقلُ عبرَ شاشاتِ العواصمِ كلُّ أطوارِ الجريمةِ دونما خُدَعِ
إلى كلّ العواصمِ دونما وَجَعِ ..
إلى كلّ العواصمِ دونما ..
لكنّ أسماء الّتي وقفتْ ببابِ الله يوم زفافها ..
مالتْ قليلاً مثل سنبلةٍ ولم تَقَعِ ..
مالتْ قليلاً حين مال الظّلُّ فوق ذراعِ رابعةٍ وما سقطتْ ..
من قالَ إنّي قد سمعتُ لها أنينَا ..
أو لمحتُ لها جبينَا ..
مثل خدِّ الشّمس ينزفُ تحت عينِ الكامِرَا ..
من قال إنّه قد رآها تُغمضُ العينينِ أو تُرْخِي الوَتِينَ ..
من قالَ إنّه قد مشى خلف الجنازةِ ،
أو بكى كسماءِ أيلولَ الحزينةِ فوقَ تُربتِها ،
وأبكى العالمينَ ..
من قال إنّ حبيبها الغالي أباهَا
لم يُودِّعْها ولا صلّى عليها يومَها
وبأنّها تركتْهُ بعد رحيلِها في ظلمةٍ أخرى سجِينَا ..
هي ليستِ امرأةً فقطْ ..
أسماءُ ، يا من علّم الأسماءَ
أجملُ ما تُعمِّرُهُ الحياةُ ، وما أضاع الموتُ فينا ...
وهْيَ سيّدةُ السّماءِ وزهرةُ الشّهداءِ ،
مفتاحُ الجريمةِ فوقَ أنقاضِ الضّمائِرِ والجباهِ مُعلَّقٌ ..
من قالَ إنّا قدْ نَسِينَا ..
من قالَ إنّا قدْ نَسِينَا ..

                     عبد اللّطيف علوي / 1 ماي 2014 

jeudi 10 avril 2014

بلادي قصيدهْ


سَلْ عنِ الأمكِنَهْ ..
ماالّذي قدْ تغيّرَ من طَبْعِها الأمكِنَهْ ؟؟
برُّها ؟ بحرُها ؟
حرُّها ؟ قرُّها ؟
حُلْوُها ؟ ..مُرُّها ؟  ..
ماالّذي قد تغيّرَ من حُزنِها الأمكنَهْ ؟؟
مرَّ عامٌ ، فعامٌ .. وعامُ ..
ولم يبقَ من سَكرةِ العشْقِ ،
أكثرُ من غُصَّةٍ مُزْمِنَهْ ..
شمعتانِ اثنتانِ على صدركِ اليومَ يا بلَدِي ..
ربّما صارَ يكفي ..
هرِمتِ بِنا ، أو هرِمنا - كما قيل يومًا - ..
وأوجَعْتِنا طَربَا ..
سنتانِ اثنتانِ بِأَلْفَيْ سَنَهْ ..
فيهِما قدْ عَشِقْنا النّجومَ ، كما لم نكن قبلَ ذلك نَعْشَقُها
وفهِمنا الحياةَ ، كما لم نكن قبلَ ذلك نفهمُها ..
واكتشفنا حروفًا بأسمائنا .. خارجَ الأبجديّةِ ،
صارتْ حروفُ الهجاءِ حروفَ المديحِ ،
وصارتْ لنا ألسِنَهْ ..
سنتانِ فقطْ كانتا تَكْفِيانِ لِنَعْرَى تمامًا
كَقِدّيسةٍ ماجِنَهْ ..
لم نكن طيّبينَ تمامًا ، كما - قبل ذلكَ - كنّا نظنُّ ..
ولا مؤمِنينَ - مُصادَفَةً - صالحينَ ..
يُؤَرْجِحُنا في الجحيمِ يقينٌ وظَنُّ ..
ولا صِبيةً طائشينَ ..
ولا مُرْسَلينَ على قِبْلَةٍ بيِّنَهْ ..
سلْ عن الأمْكِنَهْ ..
هلْ ترى صورَ الشّهداء على مدخل الكازِنُو ..؟
كيف صارتْ مَداسًا لأحذيةِ المُومساتِ
وصارتْ خيامُ العزاءِ بلادًا وجنْسيّةً …
هل ترى بينَ شيءٍ ولا شيءَ مُتَّسَعًا للحياةِ
ومُعجِزةً مُمْكِنَهْ ؟؟
مُثْقلٌ بجنون السّياسةِ أو صخبِ التّابعينَ
تَطِنُّ الزّنابيرُ في أُذُنيّ نهارًا وليلاَ
تُطارِدني فرقُ الموتِ في كلِّ مُنْعَطَفٍ ..
وأنا في السّياسةِ غِرٌّ غَشيمٌ …
تربّيتُ في زمنِ الأَكرَمَيْنِ ،على خُطبِ الأكرَمَيْنِ ..
مُطرّزةً بالفراغِ
على صورِ الأكرمَيْنِ مُعلّقةً في دِماغي
وصدّقتُ أنّ الطّحالبَ أصلُ الحياةِ
                 وخُبْزُ الجياعِ ..
وأنّ السّلامةَ في بَلدِي مُمْكِنَهْ ..
شرطَ أنْ يقطعَ المرءُ كلَّ أصابِعِهِ ،
لكيْ لا تطولَ وتمتدَّ نحو الأفاعِي ..
وصدّقتُ أنّ النّساءَ يلِدْنَ على رأسِ كلِّ زمانٍ
نبيًّا من الأصفياءِ ،
يقودُ البلادَ إلى شمسِهِ ..
وتدورُ الطّواحينُ في رأسِهِ ..
ويشيخ الزّمانُ ..
يشيخُ على أرضنا كلُّ شيءٍ عَداهُ ..
ويبقى عَفِيًّا
فتيًّا عتِيَّا ..
عليًّا عصِيًّا على رَمْسِهِ ..
وأنا في السّياسةِ غِرٌّ غَشيمٌ …
أصدّقُ مثلَ العجائزِ والصّالحينَ ومن عبدُوا العجل في بلدي
نشرةَ الثّامِنَهْ .!.
ومحاضرَ أقبِيةِ الدّاخليَّةِ
                والنّشرةَ التّربويّةَ ..
                                   واللاّفتاتِ الدّعائيّةَ السّاخِنَهْ ..
وأصدّقُ مثلَ الصّغارِ كلامَ الكبارِ
فأملأُ جيبي وُعودًا ، وقلبي وَعِيدَا ..
وأفرحُ يا بلدي أنّنا ..
عند كلِّ سقوطٍ لنا فيكِ أو نَكْبَةٍ ..
سوف تزدادُ أعيادُنا الوطنيّةُ عيدَا ..
وأحفظُ شعرَ الجنازاتِ في الكتبِ المدرسيّةِ ،
أو في احتفالاتِ حزبِ الرّئيسِ ،
بشعبِ الرّئيسِ ..
مُناشَدَةً للرّئيسِ ..
ليحمي القبيلةَ من كلِّ حرٍّ خسيسِ ..
وأنا في السّياسةِ غِرٌّ غَشيمٌ ...
ولكنّني اليوم لا شأنَ لي بينكمْ ..
لمْ أرَ في جلابيبِكمْ غيرَ وَعْثِ الصّحارى الحزينةِ ،
أو تحت أرجُلِكم غيرَ كُدسٍ من الجثثِ المُتفسِّخةِ المُنْتِنَهْ .
ولا شأنَ لي بالمَعالِي ولا بالمَوَالِي ..
ولا بالأيادي المُخاتِلةِ الوَاهِنَهْ
ولا بالمَسيحِ الشّيوعيّ والجوهرِ الطّبقيِّ لأحزانِنا ،
ولا بالخلافةِ قبلَ الخلافِ ، أوِ الأخْوَنَهْ ..
صرتُ أَعْرِفُكُم قاتِلاً قاتِلاً ، وقتيلاً قتيلاَ ..
أنا يا كرامُ ثقيلُ اللّسانِ ،
ولا أُتْقِنُ الغزلَ الموسمِيَّ على شاشةٍ أو جريدَهْ ..
بلادي قصيدَهْ ..
ولمْ أرَ فيمَنْ أرى بينكم من يَصيدُ القصيدَهْ
وأعرفُ .. ما أكثرَ الشّعراءَ الّذين تغنّوْا بأنهارِها ..
أو بأشجارِها أو بأقمارِها أو بِأقدارِها ..
والّذين تغنَّوْا بأعيادِها
أو بجلاَّدِها أو بأمجادِها رغمَ حُسّادِها..
والّذين عَمُوا عن زهورِ الطّفولةِ تقصفُها الرّيحُ من حولِهِمْ ..
ومَضَوْا يَصِفُونَ البنفسجَ والياسمِينَ ،
وجنّاتِ عَدْنٍ على أرضِها فاتِنَهْ ..
ليس لي يا كرامُ فصاحَتُهُم في المديحِ ،
ولا في التّذلّلِ أو في التّوَسُّلِ بالأدمُعِ الخائِنَهْ ..
أنا يا كِرامُ بلادي قصيدهْ
وعشٌّ حزينٌ على غُصنِ زيتونةٍ في العراء تموتُ وحيدهْ
يُجرّحُنِي عِطْرُها اللّيلكيُّ
إذا لمْ يُضمّخْ شوارِعَها كلَّها والرُّبى والبُيُوتَ البعيدَهْ..
وكاذبَةٌ شمسُها وضُحاهَا ..
إذا لمْ يَرِفَّ لها كلُّ قلبٍ كسيرٍ
ويبتَلَّ من نورها كالغُصُونِ الوليدَهْ
وزائِفةٌ كلُّ أقمارِها المُشتهاةُ وأخبارُها …
كلُّ أعيادِها،
وبطولاتُ أجدادِها،
وملاحمُ أيَّامِهَا الخالِداتِ المَجِيدَهْ
إذا لم يكنْ للمَلاعينِ فيها نصيبُ ..
وللرَّاقِصينَ حُفاةً على الجمرِ أيضًا نصيبُ ..
وللخارجينَ عن اللاّنِظامِ
وللواقفينَ على شُرفَةِ الرّيحِ والموتِ في حبّها كالشّموعِ العنيدَهْ
بلادي قصيدَهْ
ولمْ أرَ فيمَنْ أرى بينكم من يصيدُ القصيدَهْ .


                        عبد اللّطيف علوي / 10 / 12 / 2013