lundi 18 août 2014
الرّوح تكسّرت إلى غير عودة
غزّة ورابعة شقيقتان ذُبِحتا بنفس السّكّين ...
الجريمة فيهما واحدة ، والمشروع فيهما
واحد ...
في مثل هذا اليوم حدثت أبشع مجازر الحكّام العرب ضدّ
شعوبهم ، بمباركة وتحريض وتغطية من فئة من شركاء الوطن ،
جيل المسخ الحضاريّ والتّشوّه البشريّ الّذي أنتجته دول
الحداثة الوطنيّة الوريثة لمصالح الاستعمار وثقافته و عنصريّته
في مثل هذا اليوم ، تهتّك النّسيج الرّوحي والاجتماعي
للإنسان العربيّ إلى أجل لن يكون قريبا ..
جريمة فضّ رابعة والنّهضة ، سبقتها وتلتها عشر مجازر
أخرى على الأقلّ ، أشّرت كلّها إلى أنّ العصر العربيّ الجديد سيقوم على
فرانكشتاينيّة غير مسبوقة في استهداف الحاكم للمحكوم ..
كان الهدف واضحا : إحداث الحدّ الأقصى من الصّدمة
والتّرويع لقطع الطّريق أمام أيّة محاولة عربيّة جديدة للشّذوذ عن الطّوق ،
والإعلان عن زمن عربيّ أشدّ توحّشا من كل ما مرّ في تاريخه ...
لأوّل مرّة شاهد العالم كلّ فصول الجريمة على الهواء
مباشرة ،
واستمرّ القتل والسّحل والحرق ما يزيد على عشر ساعات ،
والضّمير العالميّ المأجور يتابع بكلّ تشفّ مفضوح ، أو لامبالاة غريبة .. في أقلّ
توصيف
... قبل رابعة وبعدها ، ظهر جيل عربيّ واضح من
المفوّضين في السّرّ والعلن ، على اجتثاث طرف بعينه ،
و عبرت ثقافة التّفويض كلّ الحدود ، في مسعى لإعادة
تكرار سيناريو الجريمة المصريّة في كلّ ساحة عربيّة تنادي بالتّحرّر ...
بعد رابعة صرت أكثر وحدة من أيّ زمن مضى ...
فقد صرت أرى في كلّ متلبّس بشعارات الحداثة العربيّة المغشوشة
مفوّضا في قتلي بالقوّة أو بالفعل ...
ومع الحزن الشّديد ، أعرف أنّهم لن يتردّدوا في النّزول
إلى الشّوارع لتفويض أيّ " سيسي " يرفع السّكّين ليذبحني ...
جريمة رابعة ، ليست حدثا عابرا في تاريخ المأساة
العربيّة ...
حدث شقّ الرّوح وشطرها إلى نصفين ، وفتح المجال لاندفاع
الوحش المقهور في أبشع ما يمكن أن يجترحه الخيال ،
فوضع المنطقة بين عنوانين لا ثالث لهما : "
سلميّتنا أقوى من الرّصاص " أو " داعش "
بعد رابعة .. كتبت قصائد مثل " التفويض
" : لن أصالح " بنت السّماء "
وفي كلّ مرّة كنت أمنّي النفس بأن أشفى ممّا حدث ...
لكن من الواضح أنّ الرّوح تكسّرت إلى غير عودة ..
ـــــــــــــــــــــ
عبد اللّطيف علوي ــــــــــــــــــ
ليس من طينة الرّجال من لا يعرف قيمة الرّجال :
كتب أحدهم معلّقا على هذه الصّورة الّتي نشرتها وجمعتني بالمناضل عبد الكريم الهاروني ..:
انت سيدي الكريم رجل فكر وادب وشعر وفن فارجو ان لا تلطخ يديك بدماء السياسة .ولطفا
فرددت :
سيّدي ... ربما كان عليك أن تقرأ تاريخ هذا الرجل قبل أن تكتب تعليقك الأخير ، هذا من صخور النّضال التي تكسّرت عليها أمواج الديكتاتورية في هذه البلاد ، رجل بآلاف الرّجال ، هو أسد الجامعة التّونسية بلا مبالغة ، يوم كان غيره أغلى أمانيهم أن ينعموا برضاء وليّ النّعم .. ولا أدّعي ، كما يدّعي غيري أنّ الشعر أو الأدب والفن عموما يتعالى على السياسة ، السياسة عندما يمارسها الأحرار والشرفاء تصبح هي أيضا فنّا ورقيّا وسموّا إنسانيّا ... هذا الرّجل حكم عليه سنة 92 بالسجن مدى الحياة ، وقضى منها 16 سنة أغلبها في الانفرادي ، .. وما لان وما وهن ... فكفاكم ادّعاء أيّها المتشاعرون والمتآدبون والمتثاقفون الصّغار ،... يوم تحقّقون 1 من الألف من نضالية هؤلاء ، ومن صمودهم وثباتهم على المبادئ ، عندها فقط ، ردّدوا كليشيهاتكم البذيئة ، وادّعوا أنّ الشّعراء أعلى من السّاسة ..
لست أعرف من غرس في عقول "أشباه المبدعين " في هذه البلاد أنّهم أعلى من رجال السياسة ( عندما يكونون من طينة الأحرار الشرفاء المناضلين )
هل قدّمتم أنتم لهذه البلاد كما قدّم هؤلاء ؟؟
طبعا أرباب المطاحن سيعتبرون أنّ هذا نوع جديد من الطّحين الفاخر ينزل إلى السّوق ،
لكنّي أكتفي بأن أهمس في آذانهم قردا قردا ( وليس فردا فردا ) : ليس من طينة الرّجال ، من لا يعرف قيمة الرّجال ..
خواطر في تفسير النكبة المصرية
ثمّة نهج في
التفكير يُرادُ للملاحظ أن يذهب فيه ويحلل ويستنتج من خلاله ، لأنه - بقطع النظر
عن صحته من عدمها - يحرف البوصلة عن أسباب المشكلة الحقيقة ، وهذه تقنية في
التّضليل تدرّس وتثبت جدواها في ظلّ جوقات الإعلام الموجّه والمثقفين المأجورين
...
المشكلة ليست فيما إذا كان الإخوان
قد أخطؤوا أم لا ؟؟ ... هذا دخول للموضوع من الباب الخطأ .. طبعا الإخوان أخطؤوا
كما يخطئ أيّ تنظيم سياسيّ حاكم أو معارض على حدّ السّواء ( وهو حقّ بشريّ للأفراد
والجماعات مادام لم يصل حدّ الخيانة العظمى أو الإضرار الجسيم بمصالح البلد أو
الانتهاك الجسيم للحقوق والحرّيات ) وهي أشياء أجزم تماما أنّ الإخوان لم يقعوا
فيها ...
غير ذلك يمكن أن نختلف في الأداء
السياسي و ترتيب الأولويات ووضوح الرّؤيا وكلّ ما بدا لك ... أنا لو عدّدت أخطاء
الإخوان سأكتب فيها صفحات ، وأستطيع أن أزايد في ذلك على كثيرين ... لكن المشكل
ليس هنا ...
هناك مشكلان منهجيّان
ومعرفيّان في غاية الخطورة :
الأوّل أنّه ماكانت لتوجد
الدّيموقراطية كنظام اختيار ورقابة ومحاسبة ، لو كنّا نتعامل مع معصومين منزّهين
... العقل البشريّ توصّل إلى فلسفة الديموقراطية لأنها تمكن من محاسبة المخطئين
ومعاقبتهم انتخابيّا ، وهذا هو الأسلوب المتحضّر الوحيد في تقييم تجارب الحكم في
ظل أنظمة ديموقراطية ...
المشكل الثّاني أنّ الانطلاق
من أخطاء الإخوان كقاعدة تحليل يبدو في ظاهره صحيحا ... لكن من يدرس الحالة
المصريّة من أبعاد مختلفة سيكتشف بدون عناء أنّ المؤامرة في مصر بدأت حتّى قبل
صعود الإخوان ، حيث كان الجيش يضع سيناريوهات استلام السلطة حتى قبل ثورة 25 ، كان
من المفروض أن تبدأ إجراءات توريث نجل مبارك في ماي 2011، وتوقع الجيش
اضطرابات تجتاح البلاد ، ففكر في سيناريو استلام السلطة ، لكن الثورة حدثت ، ففوقع
تنفيذ الخطة في سياق مختلف ، ولكن بنفس الأهداف ...
أثناء الثورة قطع الجيش يدي مبارك
: إحراق مقرات الداخلية و مراكز الحزب الوطني ( عن طريق بلطجية مأجورين ) ثمّ ضغط
على مبارك للتّخلّي للمجلس العسكريّ ، وانتهت المرحلة الأولى من الخطة بنجاح ...
المرحلة الثانية كانت استدراج
الإخوان إلى الفخّ السياسيّ بإحكام شديد للتضحية بهم فيما بعد والانقلاب عليهم (
الانقلاب على الإخوان أسهل بكثير من أي طرف آخر ، سيجدون الدّعم الكامل خارجيا من
القوى المعروفة : أمريكا وإسرائيل والحليف الخليجي ، ومن القوى الداخلية المعروفة
تاريخيا بعدائها المطلق للإخوان ، والاستفادة من كل عناصر المشهد المصري الفاسد :
إعلام وقضاء وأمن ودولة عميقة ومجتمع عميق ...
يعني أنّ المنطلق صحيح : الإخوان
أخطؤوا ، لكن محاولة تصوير ما حدث كأنه عقاب شعبي للإخوان نتيجة لذلك الخطأ هو
التضليل الكامل ... لأنّ الأسباب الحقيقية تقع في منطقة أخرى من تشابك المصالح
بشكل معقّد وأخطبوطيّ :
مصالح الجيش كقوة اقتصادية وكيان
مستقلّ عن الدولة يستغلّ 40 بالمائة من مقدراتها ولا يخضع لرقابتها ( هناك
كتاب يفسر هذا الأمر بشكل مذهل وهو " جمهورية الضباط في مصر " )، وبذلك
يصبح الانتقال إلى الطور المدنيّ انتحارا للمؤسسة العسكرية ، مصالح قوى الفساد
الأمنيّ والقضائيّ التي تلبّست بالدولة حتى أنه لم يعد من الممكن الفصل بينهما
وصار إسقاط الفساد يؤدّي آليّا إلى إسقاط الدّولة ( من يفهم هذه الحقيقة يفهم
منهجيّة النهضة والإخوان في مصر في عدم الانجرار إلى حرب كاملة مباشرة مع الفساد
في البلدين ، وتفضيلها لتمشّي الإصلاح التّحتيّ وعلى المدى البعيد ) ، مصالح
النموذج الخليجيّ الّذي يهدّده منطق الربيع العربيّ وخاصة تصدر الإخوان للمشهد
لكلّ ما نعرف من الأسباب ، ومصالح الوكيل الأول للامبريالية العالمية ،
إسرائيل ... لأنها كانت تخشى قيام تحالف تركي - مصري - قطري - وربما حتى ايراني
يخنقها تماما ويعجل بفنائها ...
عندما نفكر يجب أن نضع كل هذه
المعطيات المركبة المعقّدة المكونة للمشهد الجيوسياسي في المنطقة ونربط المسالك
بعدها ... أمّا الوقوف عند أخطاء الإخوان ، فهو حقّ يراد به باطل ... لأنه كما
أسلفت يحرف النظر تماما عن جوهر التناقض الواقع اليوم في بلدان الربيع العربيّ ، و
يخدّر العقول بوصفات سهلة مضللة يسهل ترويجها للتعمية والتضليل ...
ـــــــــــــــ عبد اللّطيف علوي
ــــــــــــــــــــــ
ثورة عبر الصناديق ... / عبد اللطيف علوي
على عكس البعض ، أحسّ بحالة من التّفاؤل الشّديد والثّقة بأنّ الانتخابات القادمة ستكون موجة ثوريّة جديدة فارقة في مسارنا نحو الحلم الدّيموقراطيّ ... لست متفائلا على الأرجح ، بل هو تقدير لواقع جديد لا أرى فيه قوى الارتداد إلاّ في أسوإ حالاتها ، معسكرهم يضيق يوما بعد يوم ، والماء يتسرّب إلى سفينتهم ، فيبادر الكلّ إلى الطّوق وحيدا علّه يبلغ ما يريد ... المال التّجمّعي صار يحارب بعضه بعضا ، تناقضات المكوّن اللقيط تنفجر وتطفو على السّطح بينهم بمجرّد الوصول إلى لحظة التفكير في اقتسام الغنائم ( وهي مازالت افتراضيّة ..) تحالفات الانقلابيين تتفتّت أفقيّا وعموديّا ، وهي لا يمكن أن تعود إلى نقطة انطلاقها أبدا ، أوّلا بسبب تضارب مصالحها في المرحلة القادمة ، وثانيا لأنّ الوضع الّذي كانت تقتات منه قد انتهى ( غياب المؤسسات والدستور والوضع الانتقالي الهش و طبيعة السلطة المؤقتة .. ) مع رجوع طرديّ لأمل الرّبيع العربيّ انطلاقا من غزّة ( وحتّى من مصر بحكم استمرار المأزق الانقلابي في إعدام الثورة وفي تحسين شروط المعيش المصريّ ) مع بوادر صحوة ثورية في ليبيا تحسم الأمور مع انتخاب أردوغان وتثبيت النموذج التركي
من جهة ثانية لدينا قاعدة تزداد اتساعا من القوى التي ترى في الثورة مصلحة وطنية ، صرنا نتكلم عن إمكانية تحالف واسع بعد الانتخابات بين النهضة والمؤتمر ووفاء والتحالف والتيار وبعض من التكتل وحتى الجمهوري الّذي جرّب الجحر التّجمّعي فلم يجد فيه شهدا ولا عسلا ...
أكثر من ذلك ، المرزوقي في وضع جيّد جدّا في سباق الرّئاسة ، فإضافة إلى شعبيّته المتصاعدة في أوساطه التقليدية ، هناك توجّه ساحق من كلّ قواعد النهضة إلى انتخابه ، وهذا يرجّح الكفّة دون شكّ ...
لقد نجحنا في تونس في أن نجرّ قوى الاستبداد إلى المعركة الّتي لا تنتصر فيها أبدا ، معركة الإرادة الشعبية عبر الصّناديق ، وأيّ كلام هنا عن المال السياسي هو كلام مبالغ فيه ، لأنهم جربوه في المرة السابقة ، ولم يثمر ... التونسي يبيع القرد ويضحك على من يشتريه ... عندما يدخل إلى الخلوة ، لن يتذكّر حلوى العيد ..
ملخّص الحال أنّنا لسنا في موقع ضعف أبدا ... على العكس من ذلك تماما ، لقد ربحت قوى الثورة الكثير من المعارك المصيريّة ، وتجاوزت بحارا وأهوالا ... كلّ محاولات الإرباك التي يقومون بها تدلّ على أنّهم يخسرون المعركة ،
يوم 26 أكتوبر سيكون موجة ثوريّة جديدة ، تكنس تجّار الدّم و أزلام النظام المقبور ، ثورة عبر الصناديق ...
لا يوجد من يتكهّن بالمستقبل ... إلاّ الّذين يصنعونه
ونحن قادرون ، لسنا ضعفاء أبدا ، ولن نكون ضحايا أبدا بعد كلّ الّذي كان ...
ـــــــــــــــــــ عبد اللّطيف علوي ــــــــــــــ
من جهة ثانية لدينا قاعدة تزداد اتساعا من القوى التي ترى في الثورة مصلحة وطنية ، صرنا نتكلم عن إمكانية تحالف واسع بعد الانتخابات بين النهضة والمؤتمر ووفاء والتحالف والتيار وبعض من التكتل وحتى الجمهوري الّذي جرّب الجحر التّجمّعي فلم يجد فيه شهدا ولا عسلا ...
أكثر من ذلك ، المرزوقي في وضع جيّد جدّا في سباق الرّئاسة ، فإضافة إلى شعبيّته المتصاعدة في أوساطه التقليدية ، هناك توجّه ساحق من كلّ قواعد النهضة إلى انتخابه ، وهذا يرجّح الكفّة دون شكّ ...
لقد نجحنا في تونس في أن نجرّ قوى الاستبداد إلى المعركة الّتي لا تنتصر فيها أبدا ، معركة الإرادة الشعبية عبر الصّناديق ، وأيّ كلام هنا عن المال السياسي هو كلام مبالغ فيه ، لأنهم جربوه في المرة السابقة ، ولم يثمر ... التونسي يبيع القرد ويضحك على من يشتريه ... عندما يدخل إلى الخلوة ، لن يتذكّر حلوى العيد ..
ملخّص الحال أنّنا لسنا في موقع ضعف أبدا ... على العكس من ذلك تماما ، لقد ربحت قوى الثورة الكثير من المعارك المصيريّة ، وتجاوزت بحارا وأهوالا ... كلّ محاولات الإرباك التي يقومون بها تدلّ على أنّهم يخسرون المعركة ،
يوم 26 أكتوبر سيكون موجة ثوريّة جديدة ، تكنس تجّار الدّم و أزلام النظام المقبور ، ثورة عبر الصناديق ...
لا يوجد من يتكهّن بالمستقبل ... إلاّ الّذين يصنعونه
ونحن قادرون ، لسنا ضعفاء أبدا ، ولن نكون ضحايا أبدا بعد كلّ الّذي كان ...
ـــــــــــــــــــ عبد اللّطيف علوي ــــــــــــــ
تحييد الشّعر عن السياسة / عبد اللّطيف علوي
أشفق على بعض النّاس لشدّة ما يكابدونه - مخلصين - من مشقّة النّصح بأن أتجنّب الخوض في السّياسة ، كما يتجنّب العاقل مرض الجذام ، وأن ، أخصّص وقتي الثّمين كلّه للتّأمّل والهيام مع النّسيم والذّهول مع النّجوم والتّحليق في سماء الجمال مع الطّيور والفراشات كي أبدع شعرا جميلا عليلا محايدا ( تكنوقراط يعني ) ...
- هؤلاء المتطوّعون لنصحي حجّتهم قويّة دامغة بأنّ الشّعر أرقى من السياسة ، والشاعر أو المبدع عموما ( وربّما حتّى المثقف بشكل أعمّ ) يجب أن يتعالى عن السياسة باعتبارها نجاسة ، ويجب أن يعيش في حالة عذريّة مع أحلامه وأوهامه دون أن يفسدها بمنطق إدارة الحياة العامة اللّعينة ... ويحتجّون كذلك بهذا القول لسارتر وذاك القول لميكيافيلّي وخاصّة ( وهذا الجديد ) حكمة القذّافي المأثورة " من تحزّب خان " وهلمّ جرّا ...
- أيّها الّذين لا أعرف لهم وصفا يليق بضلالتهم ...
لقد عرفت السياسة قبل حتّى أن أعرف الشّعر ، السياسة عندي انجراف في حالة الوعي بالقهر والظّلم وأوجاع النّاس و هوانهم على الحكّام ... هذا الوعي الّذي تفتّح باكرا هو الّذي ورّطني أكثر في الشّعر وليس العكس
- إنّ القول بتحييد الشعر ، أو الفنّ عموما ، عن السياسة ( هذه غفل عنها الحوار الوطنيّ ) هذا القول يعبّر عن حالة غربة وانفصام مزمنة لدى كثير من مثقّفي الصّالونات عن مشاغل الناس وهمومهم ، أولئك الّذين يعتبرون الفنّ حالة عبث ذهنيّ أو نفسيّ وترف بورجوازيّ ونرجسيّة عمياء ، ويعبّر أكثر عن ضعف وعجز ولامبالاة برسالة المثقّف في مجتمعه ، فينبرون إلى هذه الأساليب من التّنطّع اللّغويّ ليوهموا النّاس أنّ الفنّ يكون أرقى وأسمى وأجمل حين يتعالى على معترك السياسة ، وهذا عين الغبن ، لأنّ السياسة - بالمفهوم الشّامل ليس الحزبيّ - تعني الاهتمام بالشّأن العام والمساهمة في إدارة الحياة الجمعيّة ... وهذا شرف لا يدركه إلاّ من لم تتلطّخ نظّارته بأوحال مستنقعات الذّاتيّة المرضيّة
- إنّه حتّى التّحزّب ، لا يمكن أن يسلب من الإنسان حياده الفكريّ والقيميّ والأخلاقيّ ، إلاّ بقدر استعداده هو للتفريط في تلك الاستقلالية ، ومن الطّبيعيّ أن يتحزّب الشاعر أيضا إن أراد ، باعتباره هو أيضا كائنا سياسيا يعنيه الشأن العام ، ولا يعيش في فراغ نظريّ وموضوعيّ ، العبرة بالرسالة التي سيؤدّيها الفنان من خلال انضمامه لهذا الحزب أو ذاك ، والمحدّد الرّئيسيّ هو شخصية هذا المبدع ، فهو إذا كان ذا شخصية ممتلئة ومؤثرة ، سيؤثر في العمل الحزبيّ أكثر ممّا يتأثّر به ، و يصبح ضمانة إضافيّة لأن لا ينحرف هذا العمل إلى مجرد المصلحة الحزبية المجرّدة ( كي لا أقول الضّيقة التي تستعمل دائما بعد كلمة الحزبية .. من قال إنها ضيقة ؟؟؟)
- وأخيرا .. هذه الدّعوة فيها احتقار لمكانة الشاعر ودوره في المجتمع ، وفيها غمز ضمنيّ بأنه كائن انفعاليّ لا يصلح للمشاركة في الحياة الواقعيّة ، وفيها تخلّف شنيع وقصور عن فهم دور المثقف كسلطة ...
وأذكّر هؤلاء فقط بموقف ايميل زولا ، و قضية درايفيس ، ومقولة " أتّهم .."
شكر الله سعيكم ...
ــــــــــ عبد اللّطيف علوي ـــــــــــــــــــــــ
jeudi 7 août 2014
فجوة الدّماغ ، وقنّ الدّجاج
خبر يتمّ تداوله على مواقع كثيرة ، وكأنّ الجميع اكتشف الذّرّة من جديد ، يشترك في نشره والتّرويج له الأكاديميّ والعامّيّ ، دون أيّ تفكير في صيغته الغريبة و استخفافه بالعقول و كأنه موجّه إلى أطفال سذّج بله متخلّفين ذهنيّا ...
" فجّرت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون في كتاب لها أطلقت عليه اسم “خيارات صعبة” ، مفاجأة من العيار الثقيل ، عندما اعترفت بأن الإدارة الأميركية قامت بتأسيس ما يسمى بتنظيم “الدولة الاسلامية في العراق والشام” المعروف بـ”داعش” ، لتقسيم منطقة الشرق الأوسط ."
من حيث المبدأ ، الخبر لا يتناقض مع فهمنا وإدراكنا لطبيعة الدّور الأمريكيّ في المنطقة ، لكنّ الغرابة في هذا الاعتراف السّاذج لإحدى المرشّحات للانتخابات الرئاسية القادمة ، طبعا عجرفتهم نعرفها ، لكنّ الغباء السياسيّ ليس ممّا يفترض فيهم إلى هذه الدّرجة ..
الأغرب والأعجب يأتي لاحقا ، فيما لا أعرف ماذا أسمّيه : هل هو امتداد للخبر ، أو تحليل أو " تخميرة " سياسيّة للمصدر الّذي بدأ بترويجه ...
شيء أغرب من حكايات السندباد في بلاد الأقزام ... حيث ينقل عنها : “دخلنا الحرب العراقیة واللیبیة والسوریة وکل شيء کان على ما یرام وجید جدا وفجأه قامت ثورة في مصر وکل شيء تغیر خلال 72 ساعة” .
وتابعت القول “کل شيء کسر أمام أعیننا بدون سابق إنذار، شيء مهول حدث!!، فکرنا في استخدام القوة ولکن مصر لیست سوریا او لیبیا، فجیش مصر قوي للغایة وشعب مصر لن یترك جیشه وحده ابدا”.
وتزید “وعندما تحرکنا بعدد من قطع الأسطول الأميرکي ناحیة الاسکندریة تم رصدنا من قبل سرب غواصات حدیثة جدا یطلق علیها ذئاب البحر 21 وهي مجهزة بأحدث الأسلحة والرصد والتتبع وعندما حاولنا الاقتراب من قبالة البحر الاحمر، فوجئنا بسرب طائرات میغ 21 الروسیة القدیمة، ولکن الأغرب أن رادارتنا لم تکتشفها من أین أتت واین ذهبت بعد ذلك ، ففضلنا الرجوع، مرة أخرى ازداد التفاف الشعب المصري مع جیشه وتحرکت الصین وروسیا رافضین هذا الوضع وتم رجوع قطع الأسطول وإلى الأن لا نعرف کیف نتعامل مع مصر وجیشها”.
إلى أن تصل إلى مخّ الهدرة ، وجوهر الرّسالة الّتي يريد مصمّم هذا الخبر العجيب أن يوصلها " ومن خلال سیطرتنا علیها من خلال الأخوان و عن طریق مایسمى بـ “الدولة الإسلامیة” وتقسیمها " ...
حقيقة يجب أن يكون الإنسان على غاية مهولة من التّجمّد الدّماغيّ كي لا يرى في هذا الخبر بصيغته الموسّعة هذه ، قذارات إعلام الفلول ولاعقي البيادة ... يجب أن تكون على قدر استثنائيّ من التّصديق بالأولياء الصّالحين والتّراب السّخون ، لبتلع هذه التّرّهات السّخيفة ، وتصدّق أنّ " ثورة 30 يوليو " لم تكن صناعة أمريكيّة ، وأنّ أمريكا كانت ستهاجم مصر ، لولا أنّها فوجئت بــ :" ذئاب البحر المصريّة " والطّائرات الـ" الغريبة " التي لم تجد لها كلينتون ومن معها تفسيرا ، وخوفها من " التفاف الشعب حول جيشه العظيم .."
يعني باختصار خطاب سيساوي بهيم ومقرف ، يذكّرنا بخطاب الإعلام المصريّ الّذي أخبرنا ذات يوم بأنّ السيسي هدّد أمريكا بإحراق أسطولها في المتوسّط ، وبأنّ حكم الإخوان مصلحة أمريكية وإسرائيليّة ينتهي باعتراف كلينتون بأنها " كانت في راحة استراتيجية وتسيطر على مصر وتخطط لتقسيمها عبر الإخوان و ( هنا الأخطر ) مع بقية الجماعات الجهادية الإرهابية ) وهذا معناه أنهم جميعا في نفس السّلة ويقومون بنفس الدور ...
طبعا فوق كلّ هذا الخرّ طرّ ، لم يسأل أحد نفسه : على فرض أنّ كلّ هذا التحليل صحيح ... هل يتصور عاقل أو مجنون ، أنّ الشيطان يمكن أن يجلس على كرسيّ الاعتراف بهذه البساطة ويعترف بكلّ جرائمه الاستراتيجية .. هكذا بكل بساطة ، ولأجل عيون الحقيقة وحدها ..
كثيرون يستعملون فجوة الدّماغ لديهم كمجرّد قنّ للدّجاج ... لا أكثر ..
ترويج مثل هذا الخبر بمثل هذه السّذاجة والسّخافة ، حتى من طرف الأكاديميين ، يدلّ أنّنا مازلنا في مرحلة النّقل .. ومازالت أمامنا سنوات ضوئيّة حتّى نصل إلى مرحلة العقل ..
ــــــــــــــــــــ عبد اللّطيف علوي ــــــــــــــــــــــ
lundi 4 août 2014
رسالة إلى مثقف " جذريّ " فايسبوكي
الفايس بوك ساحة خطيرة ، تجمع من النّاس من لا جامع بينهم ، وتسمح بتبادل التّأثّر والتّأثير بشكل مفتوح ومباشر ... وخطير ...
هناك من المثقفين " الشرفاء " ( هذه تذكّرني بالمواطنين الشّرفاء متاع السيسي) من أدرك هذه الحقيقة ، وفتح ساحة لمعركته في هذا المجال ، بكثير من التّواضع ، و قليل من النرجسية ، واقتناع بأنّ ما سوف ينغرس في قدميه من أشواك ،هو جزء من رسوم المعرفة والكرامة في آن ، يدفعها باقتناع وهو يمدّ يديه ليمسح رماد الجهل والعادات " العميقة " الضّاربة في النفوس والعقول ..وهناك من يمارس نوعا من الاستمناء الثقافي والثوريّ ، وهو من حين لآخر يذكّرك بأنّه السيد المطلق على حائطه ، ولا يقبل من الرّأي إلاّ ما زغرد وصفّق وجمجم وبرتج في إذعان تامّ ودون إزعاج لراحة السيد المشغول في توليد الرّؤى والطّلعات والسّلع الفكريّة المختومة والمرفقة حصريّا بكاتالوج الاستعمال
- ثمّة من هؤلاء من لا شأن له في الثقافة سوى حفظ الأسماء .. أسماء مفكرين من كلّ الجنسيات وبكلّ اللغات ..، وكلما كانت الأسماء مغمورة وغريبة كان انتشاؤه بنطقها وذكرها أشدّ .. أسماء بالآلاف يجب أن يستشهد بها في كلّ جملة ليمارس عليك قصده في الصّدمة والترويع ، فتخجل من حجم عقلك الصّغير ، و تنبهر من سعة دماغه واطّلاعه ... و تحجم عن مناقشته وتسلم له بالريادة والسيادة ..
- نفس هذا النوع ستجده يقضي الوقت كله في توليد مصطلحات وتوليفات لغوية وتركيبية غريبة ، و تأثيرها الأكبر هو في تهجير المعنى والتعمية عليه وتسويد مرايا الإدراك لدى المتلقّي ... ومرّة أخرى ، يتحقّق له فعل الإبهار ويسقط المُدْرَكُ ..
- بعض هؤلاء أيضا ، ستجدهم يتذمّرون طول الوقت من تهافت الرّعاع والعامّة ، وينعتونهم بشتّى القوالب الشّتائميّة الجاهزة ، فهم مرّة غوغاء ، ومرّة نفايات ايديولوجيّة ، ومرّة صغار قُصّر غير معنيّين بمناقشة أطروحاتهم العظيمة ... يمارسون عليهم كلّ عقد النقصان الّذي يتحوّل إلى إحساس بالتفوق
- ومنهم من يرمي الكرة للاّعبين في ملعبه ، ويشرف عليهم من أعلى ربوة في نفسه ، كأنه يصنع بحرا للصياد وللسمكة ، ويظلّ يراقب أيهما ستزلّ به القدم وتقمّطه الشبكة ( التعبير ليوسف رزوقة ) فيستمتع بتباريهم في تحليل مفاتيح عبقريته و لا يكلّف نفسه مجرّد التّواصل مع مشاركيه ولو بتعليق يوضّح فكرة أو يناقش اعتراضا أو يراجع موقفا ...
- ومنهم من يتلذّذ طول الوقت بأن يصوّر نفسه ضحيّة لليمين واليسار ، فيجتهد في تأويل أيّ رأي يناقش فكرة من أفكاره في هذا الاتّجاه .. يسلخها ، وينفخها ، ويحوّل معناها بليّ الذّراع لتصبح في عرفه وفي عرف المصفقين عدوانا مبينا على مواطن العفة والطهارة الفكرية والايديولوجية لديه ..
ــــــــــــــــ أيّها المثقّف الجذريّ الفايسبوكيّ العظيم :
اعلم أعزّك الله أنّ حائطك ليس حائط البراق الشّريف ... فلا تمنّ علينا بأنّك أدخلتنا إلى رحابه وكأنّك آويتنا من ضياع وآمنتنا من ضلال .
واعلم أعزّك الله أنّ هؤلاء الغوغاء الّذين تتعالى على تعليقاتهم القاصرة أمام عظمة بنيانك ، هم أصحاب الفضل في نشر أفكارك والتعريف بها وإثارة الجدل حولها ، ولولاهم لكنت في حكم المعتكف في حائط المبكى ، حائطك .
واعلم أعزّك الله ، أنّ مناقشة الفكرة ، أيّا كانت ، أسهل بكثير ، وأنفع بكثير ، من صرف الجهد في إثارة الغبار النّظري والمنهجي والايديولوجيّ حولها ، وتقزيم أصحابها أو فرزهم وتصنيفهم
واعلم ، أعزّك الله ، أنّ من أراد أن يكون في صفّ المقهورين والبسطاء ، يجب أن يلبس لباسهم و يتكلّم لغتهم ويفهم ويحذق استعاراتهم ، كي ينفذ إلى قلوبهم قبل عقولهم ، أمّا التعالي الأكاديميّ و قفازات البيروقراطية المعرفيّة ، فلا تستطيع أن تبلغ بها أكثر من غنيمة التّجمّل أمام المرآة ..
واعلم في الختام - أعزّك الله دائما - أنّك لست معنيّا شخصيّا بهذا النّصّ ، إلاّ بقدر ما تجد نفسك داخله ، وبقدر ما تهمس لك نفسك في خلوتك : ها أنت ذا ...
وأنّك تستطيع أن تقرأه بعنجهيّة من تأخذه العزة بالاثم ، فيضحك ملء شدقيه حتّى يستلقي على قفاه ... أو أن يفتح في جداره العازل ، فتحة ، ولو بحجم ثقب إبرة ، يمرّ منها الضّوء إلى روح عميقة في قلب مثقف جذري حقيقيّ ...
ـــــــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي ـــــــــــــ
dimanche 3 août 2014
غزّة تفتح الأفق .. من جديد ..
أذكر أوّل ردود الفعل على الثورة التونسية ، يوم 14 جانفي ... كانت هناك ردود فعل كثيرة ، بعضها صادق ومبدئيّ ، وبعضها انتهازيّ ومخاتل للحظة الربكة التي أصابت العالم يومها ( نتذكر موقف أوباما الذي وقف ومعه الكنغرس تحية للثورة التونسية ، لكنه بعد ذلك استعاد بوصلة المنطق الإمبريالي في السياسة الأمريكية تجاه الربيع العربيّ ..)
أكثر موقف بقي عالقا في ذهني من تلك الأيّام ، عبارة وردت على لسان المفكر العربيّ عزمي بشارة ، عندما سألته مذيعة الجزيرة ما هي قيمة هذا الحدث بالنسبة إليك ؟ أتذكّر قوله يومها : قيمتها الكبرى أنّها فتحت الأفق ...
نعم ... ذاك هو فضل الثورة التونسية أنها فتحت الأفق ، أمام واقع عربي جديد بعد عقود من الانسداد الكامل أمام كلّ قوى الفعل والتغيير ، والفشل العربيّ المزمن في مواجهة أمراضه الدّاخلية ، وعدوّه الخارجيّ ...
لكنّ تحالف الثورة المضادّة عاد بأقصى ما يمكن من العنف والدموية والاستلاب ليغلق هذا الأفق مجدّدا ويختمه بالشّمع الأحمر و يضع آلاف الأقفال على بوابة هذا المشروع نهائيّا ، فعدنا - أو كدنا - مرة أخرى إلى حالة الانسداد ... انسداد الأفق ...
ما فعلته غزّة اليوم أنّها أعادت فتح الأفق من جديد ... غزة هي انطلاق للربيع العربي من جديد ، وولادة ثانية له ، بعد ولادة 14 جانفي ... غزة تفتح الأفق من جديد وتقول للإنسان العربيّ : مازال مصيرك بين يديك ، وسيبقى ... إن كنت حقّا - لا مجازًا - تريد ذلك ، ولو تحالف ضدّك كلّ جنود السماء والأرض ... مازال مصيرك بين يديك
ـــــــــــــــــــــ عبد اللّطيف علوي ـــــــــــــــــــ
إسرائيل ... والأهداف الثّلاثة
حروب إسرائيل ضدّ العرب ، أو ضدّ من ادّعى حربها من العرب ، مرّت بثلاثة أهداف استراتيجيّة ، تتماشى مع كلّ مرحلة ..
1) سنة 48 كان الهدف الاستراتيجيّ كسب المجال ، وإحلال المشروع على الأرض وجعله حقيقة ميدانية وواقعا مفروضا ... ونجحت في ذلك
2 ) سنة 67 و73 كان الهدف الاستراتيجي الأول : كسب الشرعية و انتزاع الاعتراف الإقليميّ ... فلو أرادت إسرائيل في هاتين الحالتين المزيد من الأرض لاستطاعت ، وربما كانت الآن بعض العواصم تحت الاحتلال المباشر ( لا يجب أن ننسى أنّ القوات الصهيونية سنة 73 توقفت على بعد 91 كم من القاهرة ... هذا تذكير للّذين مازالوا يؤمنون بأكذوبة النصر المظفر في تلك الحرب ..) ومرّة أخرى تحقّق الهدف الاستراتيجي الثاني ، بالوصول إلى كامب ديفيد سنة 79 ، وبفتح أبواب التطبيع على مصراعيها إلى حدود أوسلو ، وبدء مسار تصفية القضيّة الفلسطينية على أساس التسوية
3) الهدف الثالث بدأ الاشتغال عليه منذ حرب 82 وما تلاها .. 2006 وحروب غزّة المتتابعة ( يمكن اعتبارها معارك داخل حرب واحدة ... لكن ليس هذا هو المهمّ الآن )
الهدف الثالث هو تثبيت أسطورة الرّدع الإسرائيلية ، لضمان أن لا تتكرر مثل تلك الحروب النظامية الأولى ... وهنا ... كان الفشل الذّريع ... في جنوب لبنان وفي غزة
الصهاينة يعرفون أنه لا قيمة تاريخية على المدى البعيد ، للهدفين الأول والثاني ، مالم يتحقق الهدف الثالث ، ولذلك سوف يذهبون إلى أقصى درجات التّوحّش لكي لا يسقط هذا الهدف ... ( أو ليقنعوا جمهورهم أنه لم يسقط ..) لكنّ الأمر قد قضي .
مشكلة الهدف الثالث أنه ليس موضوعيّا ، بالمعنى العسكريّ ، هو هدف لا يتحقق إلاّ من خلال صراع الإرادات ، وهنا يأتي التّفوّق الباهر للنموذج الجديد من الإنسان الفلسطيني اللبناني المقاوم / العربي لاحقا ...
ثمّة حقيقتان لا يجب نسيانهما أبدا :
الأولى أنّه في أيّ حرب ، لا يمكن إعلان الانتصار إلاّ في إحدى حالتين : القضاء على عدوّك تماما ، أو إقراره بالهزيمة ... مادام عدوك لم يقرّ بهزيمته ولم يعترف لك بالنصر ، فلن تستطيع مهما فعلت أن تنتزع منه ماتريد ، لغير رجعة... إسرائيل لم تستطع ، ولن تستطيع إبادة أعدائها الّذين يحيطون بها في دوائر متتالية : فلسطينية ، عربية إقليمية ، عربية قومية ،..
كما أنّها لم ولن تستطيع انتزاع التسليم بالهزيمة والاعتراف بانتصاراتها مهما أوغلت في التقتيل واستفرغت كلّ ما في جعبتها من فاشية وفرانكشتاينية ..
ماذا يبقى إذن ؟؟
يبقى المفعول الارتدادي لسقوط الهدف الاستراتيجي الثالث .. كثيرون آمنوا بذلك ، واليوم يؤمنون به أكثر من أيّ وقت مضى ...
ـــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي ـــــــــــــــــــ
1) سنة 48 كان الهدف الاستراتيجيّ كسب المجال ، وإحلال المشروع على الأرض وجعله حقيقة ميدانية وواقعا مفروضا ... ونجحت في ذلك
2 ) سنة 67 و73 كان الهدف الاستراتيجي الأول : كسب الشرعية و انتزاع الاعتراف الإقليميّ ... فلو أرادت إسرائيل في هاتين الحالتين المزيد من الأرض لاستطاعت ، وربما كانت الآن بعض العواصم تحت الاحتلال المباشر ( لا يجب أن ننسى أنّ القوات الصهيونية سنة 73 توقفت على بعد 91 كم من القاهرة ... هذا تذكير للّذين مازالوا يؤمنون بأكذوبة النصر المظفر في تلك الحرب ..) ومرّة أخرى تحقّق الهدف الاستراتيجي الثاني ، بالوصول إلى كامب ديفيد سنة 79 ، وبفتح أبواب التطبيع على مصراعيها إلى حدود أوسلو ، وبدء مسار تصفية القضيّة الفلسطينية على أساس التسوية
3) الهدف الثالث بدأ الاشتغال عليه منذ حرب 82 وما تلاها .. 2006 وحروب غزّة المتتابعة ( يمكن اعتبارها معارك داخل حرب واحدة ... لكن ليس هذا هو المهمّ الآن )
الهدف الثالث هو تثبيت أسطورة الرّدع الإسرائيلية ، لضمان أن لا تتكرر مثل تلك الحروب النظامية الأولى ... وهنا ... كان الفشل الذّريع ... في جنوب لبنان وفي غزة
الصهاينة يعرفون أنه لا قيمة تاريخية على المدى البعيد ، للهدفين الأول والثاني ، مالم يتحقق الهدف الثالث ، ولذلك سوف يذهبون إلى أقصى درجات التّوحّش لكي لا يسقط هذا الهدف ... ( أو ليقنعوا جمهورهم أنه لم يسقط ..) لكنّ الأمر قد قضي .
مشكلة الهدف الثالث أنه ليس موضوعيّا ، بالمعنى العسكريّ ، هو هدف لا يتحقق إلاّ من خلال صراع الإرادات ، وهنا يأتي التّفوّق الباهر للنموذج الجديد من الإنسان الفلسطيني اللبناني المقاوم / العربي لاحقا ...
ثمّة حقيقتان لا يجب نسيانهما أبدا :
الأولى أنّه في أيّ حرب ، لا يمكن إعلان الانتصار إلاّ في إحدى حالتين : القضاء على عدوّك تماما ، أو إقراره بالهزيمة ... مادام عدوك لم يقرّ بهزيمته ولم يعترف لك بالنصر ، فلن تستطيع مهما فعلت أن تنتزع منه ماتريد ، لغير رجعة... إسرائيل لم تستطع ، ولن تستطيع إبادة أعدائها الّذين يحيطون بها في دوائر متتالية : فلسطينية ، عربية إقليمية ، عربية قومية ،..
كما أنّها لم ولن تستطيع انتزاع التسليم بالهزيمة والاعتراف بانتصاراتها مهما أوغلت في التقتيل واستفرغت كلّ ما في جعبتها من فاشية وفرانكشتاينية ..
ماذا يبقى إذن ؟؟
يبقى المفعول الارتدادي لسقوط الهدف الاستراتيجي الثالث .. كثيرون آمنوا بذلك ، واليوم يؤمنون به أكثر من أيّ وقت مضى ...
ـــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي ـــــــــــــــــــ
بورقيبة مرة أخرى ..
كنت في خرجة مع ابنتي الصّغرى ، أتعبتني فيها كثيرا ... وما أحلاه من تعب ، فعدت إلى البيت مهدودا وقد برّح بي ظهري أوجاعا لا تلين ... ولم تكن بي أية قدرة على النقاش أو رغبة فيه ، لكن تغريدة أحد الأصدقاء ، استفزّتني إيجابا ، وإن كنت أتفق معه في عموم القول ونختلف في التّحليل ...
ثمة من يريد أن يجعل لبورقيبة حصانة بعد الموت مثلما كان يستأثر لنفسه بالحصانة في حياته ، بدعوى اذكروا موتاكم بخير .. وما هو مفهوم الخير لديهم ؟ لا تنقدوه ولا تحركوا التراب البارد / أو الساخن تحت رأسه ..
التاريخ لا علاقة له بهذه الاعتبارات الأخلاقوية الدّياري .. التاريخ يقيم وينقد ويجرح ويعدل ويستخلص العبر ، أما مسألة الرحمة والعقاب ، فهي أمر إلاهي لا دخل لنا فيه
احترام الميت لا يتعارض أبدا مع نقد سيرته وتحميله مسؤولية ما اقترفت يداه ، والتقييم السياسي لتلك المرحلة هو من صميم الأخلاق الوطنية والدينية على حدّ سواء ...
احتفالات اليوم بعيد ميلاد بورقيبة هي احتفالات مأساوية ، لأنها إحياء لطقوسية استبدادية ودعائية عشناها سنين طويلة ، وكان يهدر فيها من المال العام ( طيلة شهر كامل ) في شكل جوائز للمتسابقين في مدحه وتأليهه من الفرق والشعراء وكل مصاصي الدم الشعبي .. أتذكرها جيدا : حضرات في كل ولاية ومعتمدية طيلة أسابيع ( أما في القصر فلا تحدّث ..)
بعد ذلك يأتي من لا يستحي ليقول لنا بورقيبة لم يسرق .. وما هو مفهومك للسرقة ياروح أمك ؟؟ كل تصرف في غير ما تملك بدون وجه حق هو خيانة مؤتمن وسرقة موصوفة ... بالملايين الملايين ...
أكثر من ذلك يدهشني نبوغ بعض الأكاديميين أو المحايدين جدّا حين ينسّبون الأمر بكلّ بساطة ويخرجونه من إطار التقييم التاريخي ، ويقولون لك بكل اطمئنان منهجي : لقد كان بشرا ككل الناس يخطئ ويصيب ... وبالتالي لا تشيطنوه ولا تؤلّهوه ... مالا آش نعملولوا؟ ...
الكلام بهذه العمومية والمعيارية يمكن أن يصح في تقييم أخلاقي لأي إنسان عاديّ ، ليس لزعيم سياسي صنع تاريخ بلد كامل لستين عاما ( بحلوه ومرّه و مرّه ومرّه .. )
نحن نريد أن يفتح الباب دون حصانة ، لتقييمه تقييما حرّا عامّا مباشرا وغير سرّي .. ولن ننحو إلى ذلك مادمنا نطبطب على مشاعره في القبر ، ونراعي خواطر الناسكين على قبره ... عندما تقولون هو أخطأ في أشياء ، هات نتّفق أولا في حدود التمييز بين الخطأ والجريمة ، وسنرى إن كان أخطأ أم أجرم ؟؟- هل قتل المعارضين خطأ أم جريمة ..( الآلاف : يوسفيين ومعارضين ..)
- هل ارتهان الدولة لشمولية الحزب الواحد أخطاء أم جرائم ؟
- هل السجن والتعذيب أخطاء أم جرائم ؟
- هل تفقير جهات بأكملها لعقود طويلة والتسبب في مآسي اجتماعية وحضارية خطأ أم جريمة ؟
- هل التّآمر مع المحتل لضرب المقاومين الذين لم يسلموا الأسلحة خطأ أم جريمة ؟
- هل فتح الباب للعائلات المافيوية للتحكم في مصير البلد خطأ أم جريمة ظ
- هل توريثنا للكلب بن علي خطأ أم جريمة ؟ أليس هو من أتى ببن علي وملّكه رقابنا لعقدين آخرين خطأ أم جريمة ؟
بعيدا عن العموميات التي لا غاية منها سوى تسطيح الموضوع وتمييعه و قمع النقاش حوله ، لن يكون لهذا الجدل أيّ معنى مادامنا ننطلق من مقولات ياسيد الأسياد أو أخلاقويات عامّية لا دينية ( من حيث السياق ) من نوع اذكروا محاسن موتاكم ، فهذا الحديث لا يصحّ بإطلاق ... لا يصحّ في باب المواجهة التاريخية لأزماتنا وانتكاساتنا .
( يتبع )
ــــــــــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي ــــــــــــــــــــــ
vendredi 1 août 2014
إسرائيل ... والأهداف الثّلاثة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حروب إسرائيل ضدّ العرب ، أو ضدّ من ادّعى حربها من العرب ، مرّت بثلاثة أهداف استراتيجيّة ، تتماشى مع كلّ مرحلة ..
1) سنة 48 كان الهدف الاستراتيجيّ كسب المجال ، وإحلال المشروع على الأرض وجعله حقيقة ميدانية وواقعا مفروضا ... ونجحت في ذلك
2 ) سنة 67 و73 كان الهدف الاستراتيجي الأول : كسب الشرعية و انتزاع الاعتراف الإقليميّ ... فلو أرادت إسرائيل في هاتين الحالتين المزيد من الأرض لاستطاعت ، وربما كانت الآن بعض العواصم تحت الاحتلال المباشر ( لا يجب أن ننسى أنّ القوات الصهيونية سنة 73 توقفت على بعد 91 كم من القاهرة ... هذا تذكير للّذين مازالوا يؤمنون بأكذوبة النصر المظفر في تلك الحرب ..) ومرّة أخرى تحقّق الهدف الاستراتيجي الثاني ، بالوصول إلى كامب ديفيد سنة 79 ، وبفتح أبواب التطبيع على مصراعيها إلى حدود أوسلو ، وبدء مسار تصفية القضيّة الفلسطينية على أساس التسوية
3) الهدف الثالث بدأ الاشتغال عليه منذ حرب 82 وما تلاها .. 2006 وحروب غزّة المتتابعة ( يمكن اعتبارها معارك داخل حرب واحدة ... لكن ليس هذا هو المهمّ الآن )
الهدف الثالث هو تثبيت أسطورة الرّدع الإسرائيلية ، لضمان أن لا تتكرر مثل تلك الحروب النظامية الأولى ... وهنا ... كان الفشل الذّريع ... في جنوب لبنان وفي غزة
الصهاينة يعرفون أنه لا قيمة تاريخية على المدى البعيد ، للهدفين الأول والثاني ، مالم يتحقق الهدف الثالث ، ولذلك سوف يذهبون إلى أقصى درجات التّوحّش لكي لا يسقط هذا الهدف ... ( أو ليقنعوا جمهورهم أنه لم يسقط ..) لكنّ الأمر قد قضي .
مشكلة الهدف الثالث أنه ليس موضوعيّا ، بالمعنى العسكريّ ، هو هدف لا يتحقق إلاّ من خلال صراع الإرادات ، وهنا يأتي التّفوّق الباهر للنموذج الجديد من الإنسان الفلسطيني اللبناني المقاوم / العربي لاحقا ...
ثمّة حقيقتان لا يجب نسيانهما أبدا :
الأولى أنّه في أيّ حرب ، لا يمكن إعلان الانتصار إلاّ في إحدى حالتين : القضاء على عدوّك تماما ، أو إقراره بالهزيمة ... مادام عدوك لم يقرّ بهزيمته ولم يعترف لك بالنصر ، فلن تستطيع مهما فعلت أن تنتزع منه ماتريد ، لغير رجعة... إسرائيل لم تستطع ، ولن تستطيع إبادة أعدائها الّذين يحيطون بها في دوائر متتالية : فلسطينية ، عربية إقليمية ، عربية قومية ،..
كما أنّها لم ولن تستطيع انتزاع التسليم بالهزيمة والاعتراف بانتصاراتها مهما أوغلت في التقتيل واستفرغت كلّ ما في جعبتها من فاشية وفرانكشتاينية ..
ماذا يبقى إذن ؟؟
يبقى المفعول الارتدادي لسقوط الهدف الاستراتيجي الثالث .. كثيرون آمنوا بذلك ، واليوم يؤمنون به أكثر من أيّ وقت مضى ...
ـــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي ـــــــــــــــــــ
حروب إسرائيل ضدّ العرب ، أو ضدّ من ادّعى حربها من العرب ، مرّت بثلاثة أهداف استراتيجيّة ، تتماشى مع كلّ مرحلة ..
1) سنة 48 كان الهدف الاستراتيجيّ كسب المجال ، وإحلال المشروع على الأرض وجعله حقيقة ميدانية وواقعا مفروضا ... ونجحت في ذلك
2 ) سنة 67 و73 كان الهدف الاستراتيجي الأول : كسب الشرعية و انتزاع الاعتراف الإقليميّ ... فلو أرادت إسرائيل في هاتين الحالتين المزيد من الأرض لاستطاعت ، وربما كانت الآن بعض العواصم تحت الاحتلال المباشر ( لا يجب أن ننسى أنّ القوات الصهيونية سنة 73 توقفت على بعد 91 كم من القاهرة ... هذا تذكير للّذين مازالوا يؤمنون بأكذوبة النصر المظفر في تلك الحرب ..) ومرّة أخرى تحقّق الهدف الاستراتيجي الثاني ، بالوصول إلى كامب ديفيد سنة 79 ، وبفتح أبواب التطبيع على مصراعيها إلى حدود أوسلو ، وبدء مسار تصفية القضيّة الفلسطينية على أساس التسوية
3) الهدف الثالث بدأ الاشتغال عليه منذ حرب 82 وما تلاها .. 2006 وحروب غزّة المتتابعة ( يمكن اعتبارها معارك داخل حرب واحدة ... لكن ليس هذا هو المهمّ الآن )
الهدف الثالث هو تثبيت أسطورة الرّدع الإسرائيلية ، لضمان أن لا تتكرر مثل تلك الحروب النظامية الأولى ... وهنا ... كان الفشل الذّريع ... في جنوب لبنان وفي غزة
الصهاينة يعرفون أنه لا قيمة تاريخية على المدى البعيد ، للهدفين الأول والثاني ، مالم يتحقق الهدف الثالث ، ولذلك سوف يذهبون إلى أقصى درجات التّوحّش لكي لا يسقط هذا الهدف ... ( أو ليقنعوا جمهورهم أنه لم يسقط ..) لكنّ الأمر قد قضي .
مشكلة الهدف الثالث أنه ليس موضوعيّا ، بالمعنى العسكريّ ، هو هدف لا يتحقق إلاّ من خلال صراع الإرادات ، وهنا يأتي التّفوّق الباهر للنموذج الجديد من الإنسان الفلسطيني اللبناني المقاوم / العربي لاحقا ...
ثمّة حقيقتان لا يجب نسيانهما أبدا :
الأولى أنّه في أيّ حرب ، لا يمكن إعلان الانتصار إلاّ في إحدى حالتين : القضاء على عدوّك تماما ، أو إقراره بالهزيمة ... مادام عدوك لم يقرّ بهزيمته ولم يعترف لك بالنصر ، فلن تستطيع مهما فعلت أن تنتزع منه ماتريد ، لغير رجعة... إسرائيل لم تستطع ، ولن تستطيع إبادة أعدائها الّذين يحيطون بها في دوائر متتالية : فلسطينية ، عربية إقليمية ، عربية قومية ،..
كما أنّها لم ولن تستطيع انتزاع التسليم بالهزيمة والاعتراف بانتصاراتها مهما أوغلت في التقتيل واستفرغت كلّ ما في جعبتها من فاشية وفرانكشتاينية ..
ماذا يبقى إذن ؟؟
يبقى المفعول الارتدادي لسقوط الهدف الاستراتيجي الثالث .. كثيرون آمنوا بذلك ، واليوم يؤمنون به أكثر من أيّ وقت مضى ...
ـــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي ـــــــــــــــــــ
lundi 28 juillet 2014
غزة تتحرّر ... من العرب
منذ اندلاع الصراع
العربيّ الإسرائيليّ حول الموضوع الفلسطينيّ ، بقيت حدود المسؤولية والأهلية في
اتّخاذ قرارات السلم والحرب ، وما يترتّب عنها من نتائج سياسية أو ميدانية ، محلّ
تداخل وتوظيف متبادل بين الحكومات العربية وفلسطين ، ممثلة تارة في منظمة التّحرير
وتارة أخرى في سلطة أوسلو وطورا في فصائل المقاومة الشّاذّة عن هذا الطوق أو ذاك
... ومن المفيد التّأكيد هنا على أنّ المقصود بعبارة الصراع العربيّ هو صراع
الحكّام العرب باعتبار أنّهم تاريخيّا ، لم يكونوا على نفس اتّجاه البوصلة مع
الشّعوب ، لا في أهداف المعركة ولا في أدواتها ولا في ينبغيّاتها الوطنية والقومية
بما تتطلّبه من تعبئة شاملة ووحدة حقيقية ..
العلاقة بين
الطّرفين ( العربي والفلسطيني ) ، اللذين كان من المفروض أن يكونا طرفا واحدا ،
ظلّت لما يزيد عن سبعين عاما قائمة على منطق العبئيّة التّاريخيّة ، وليس على منطق
الشراكة في المصير ، فالعرب الرّسميون ، تعاملوا دائما مع القضية الفلسطينية كعبء
تاريخيّ ، وبحسابات دقيقة يجب أن توازن دائما بين ضرورات تسويق الموقف وضمان الموقع
. ثنائية الموقف والموقع حكمت هذه العلاقة في أوقا ت الحرب والسلم لعقود طويلة ..
فقد كانت الحروب التي خاضها العرب كلّها ، بدءا من 48 ووصولا إلى 2006 مرورا ب56 و 67 و73 و82 ، كانت
حروبا محدودة الأهداف سياسيّا ، ولم تكن حروب تحرير أو تثبيت وجود ، ولذلك جاءت
كلها سريعة ومحكومة بأهداف محدودة مجاليّا وسياسيّا .
حرب 48 كانت
إجراما تاريخيا في حقّ القضية الفلسطينية ، لأنها أعطتها منذ البداية صفة الحرب
الإقليمية بدون أن تتحقق لها تلك الشروط ، هذه الحرب التي اندلعت بعد صدور قرار
تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية وإسرائيلية وفى بداية الحرب عانى الفلسطينيون من
هزال الدعم العربي بالسلاح والعتاد لدرجة مأساوية وحتى دخول الجيوش العربية إلى
ارض فلسطين تمكن الفلسطينيون من الحفاظ على نحو 82%من الأرض رغم النقص الشديد في
كل شيء قياسا باليهود وقد مثل دخول الجيوش
العربية السبعة قصة مأساة أخرى فلم يزد عدد مقاتليها مجتمعه على 24 ألف مقابل أكثر
من 70 ألف يهودي وعانت من ضعف التنسيق فيما بينها وجهلها بالأرض ومن أسلحتها
القديمة و الفاسدة كما عانى بعضهم من سوء قياداته فضلا على ان احد هذه الجيوش كان
بين ضباطه الخمسين الكبار 45 بريطانيا . وكان من نتائج هذه الحرب الخاسرة ان أعلن
اليهود دولة إسرائيل فى مساء 14 ماي 1948 وتكمنوا من هزم الجيوش العربية والاستيلاء على نحو 78%من ارض فلسطين وقام
اليهود الصهاينة بتشريد أكثر من ثلثي الشعب الفلسطبنى ودمروا (478) قرية من أصل
585 قرية كانت قائمه قبل الحرب وارتكبوا 34 مجزرة خلال الحرب و أثناء عملية
التهجير . لقد مزقت هذه الحرب النسيج الاجتماعي والاقتصادي للشعب الفلسطيني فوجد
نفسه مشردا في العراء ، نتيجة للحسابات العربيّة الخاسرة .
بقية الحروب كان
العرب يخوضونها بحسابات الربح والخسارة داخليا ، فكانت هزيمة 67 ونتائجها الكارثية
، وكان فيلم 73 الّذي خرج منه العرب بنصر وهميّ إعلاميّ ، استغلّه العسكر لمزيد
الرّكوب على الشّعوب ، وصدّق العرب أكذوبة الانتصار في حين أنها كانت نكبة أخرى
أنتجت كامب ديفيد ، فأخرجت مصر نهائيا من المعادلة ، وتفرّغت إسرائيل بداية من
الثمانينات لتحطيم العراق ، وتصفية القضية الفلسطينية في آن واحد فانتهت إلى أوسلو
...
لأول مرة يسقط الفلسطينيون
عن كاهلهم عبء ( الدعم العربي) والوصاية على المصير ولذلك نراهم اليوم ينتصرون ...
لم يعد يعنيهم
حسابات الدول العربية في علاقاتها بالدول الكبرى ، وما عاد يكبلهم احتمال قصف القاهرة
أو عمان أو دمشق ، أو احتلال هذه العاصمة العربية أو تلك ، ولا الحسابات الحزبية
لهذا المتنطع العربيّ أو ذلك المقامر أو ذلك المغامر ...
فلسطينيو غزة
تحرّروا تماما من سكين العرب المسلط دائما على رقابهم أكثر من إسرائيل ... الحصار
حرّرهم تماما ، والتواطؤ و التّجاهل والتّآمر صار نقطة قوة في صالحهم ، لأنه
أقنعهم نهائيّا بأن المعركة لا تخاض إلاّ على الأرض الفلسطينية ، وبوسائل فلسطينية
، وبأهداف فلسطينية .
من هنا جاءت غزة
.. !
ــــــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي
ـــــــــــــــــ
samedi 26 juillet 2014
زياد الهانة ... والثّور .. / عبد اللطيف علوي
زياد الهانة ... و الباقي تكمّلوه .. / عبد اللطيف علوي
***********************
حكاية الضّفدعة والثّور .. تعرفوها ... تلك التي أرادت أن تتضخّم ، فكان انفجارها ..
كذلك زياد ( هانا باش نرجعوا من جديد إلى عصور زياد ويزيد وزيادة ..) سي زياد أيضا تكاد تسمع .... ــــه لا ينقطع وهو ينتفخ ويتضخّم ويتشحّم أمام مرآته النرجسية ... ويسألها : مرآتي .. يامرآتي ... من أجدر منّي بالرئاسات ؟؟؟
فتقول له : ... أنت أو لا أحد ..
طبعا أن يترشح فذاك شأنه السيادي الذي لا يملك أحد أن يسلبه إياه ( وإن كنت أتمنى أن توجد صيغة ما لكي لا تصبح الرّئاسة مثل أراجيح دحدح ، يركض إليها اللي يسوى واللي ما يسواش )
لكن أن يخرج علينا السوبرزياد ، و يتكشّف ويتنطّع كالجحش الرّبعي أمام الكاميراوات ( الصّديقة بحكم وحدة الدم والهم والمصير ) ويقول الزعيم الهمام :
لو كنت مكان المرزوقي لحملت سلاحي وصعدت إلى الشعانبي ..
وفي رواية أخرى :
أنا جندي احتياط ومستعد للصعود إلى الشعانبي .....
أبببببببْ هاو التسرديك السياسي الانتخابي ... هاو الرّدك الصحيح ...
اللي ما تعرفهوش يا سي المربّع ( خليني ناخذ بايي فيك توة قبل ما تولي سيدي الرئيس .. السوبرزياد على البلاد والعباد )
اللي ما تعرفهوش أنه الرئيس إذا فعل ما تقوله فهو بهيم و مضبّع وخائن يجب محاكمته بتهمة الخيانة العظمى .. قلّي علاش يا سي عنتر ؟ نجاوبك ..
لأنّ مهمة الرئيس ماهيش التفوريخ والتنقيز و تحقيق النزوات متاعو حتى ولو كانت صادقة ، على حساب وظيفته الكبرى ، وإلاّ كمّل قوللنا أنّه يولّي زبّال مع الزّبّالة ، و إطفائيّ كي تصير حريقة ، وحوّات و عزّام إذا لزم ...
مهمته أن لا يبرح مكانه في قيادة السفينة و أن يحمي المصير المشترك والوحدة الوطنية ... مهمته أن يكون الجندي الأول ، ولكن ليس بمفهوم التبلعيط متاع القصّر اللي كيفك ... هو فعلا يصعد مع كل جندي إلى الشعانبي ، ولكن من خلال القرارات الوطنية وتحقيق شروط بقاء الدولة و القيام بالوظائف الكبرى التي لا معنى لتضحيات ذلك الجندي بدونها ...
إذا كان تحب تعبرلنا عن شجاعتك في مواجهة الموت في الشعانبي ، فالشجاعة أحيانا أن لا تموت ، الموت في حدّ ذاته ليس إنجازا ... في النهاية الجميع يموتون ، لكن قليل منهم من يبقون على قيد الحياة
الرئيس الذي نريد يا سي الهانة هو الرئيس الحيّ ، وليس الرئيس الذي يترك دفّة السفينة والمهمة الكلية ليتنطع في دور البطل الدونكيشوتي ، أم أنك ميتومان ، مسكون بدونكيشوت ...
لكن على كل حال أنا أعرف أنك لا تعني حقيقة ما تقول ، ولا تفكر فيه أصلا ، وليست لديك واحد في المليون من شجاعة المرزوقي لتزايد عليه في هذا الشّأن ( ولو كانت فيك لعلمناها أيام كانت الرجولية تباع في السوق السوداء ، موش كيما توة : الرجولية ولاّت تتباع بالكدس في سوق ليبيا ) لكن مع ذلك ... باش الهوكش السياسي ما يبداش يغنيلنا في أغاني جديدة متاع ناس مشكلتهم الأصلية هي كثرة السموم الغازية والتلبك المعويّ و انتفاخ المصران الغليظ و كلّ الزوائد الأخرى اللّي تؤدّي في النهاية إلى حالة ........ كيما اللي عندك ...
ــــــــــــــ
خلينا من الفذلكة توة ونحكو بجدّ شويّة ... بيناتنا ... موش ملاحظين اللي الرئاسة مواتياتو على قوة جهدها ... موش ملاحظين السّرّ اللي هبط عليه ملّي قرّر يترشّح للرئاسة !!!!!
ــــــــــــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي ــــــــــــــ
***********************
حكاية الضّفدعة والثّور .. تعرفوها ... تلك التي أرادت أن تتضخّم ، فكان انفجارها ..
كذلك زياد ( هانا باش نرجعوا من جديد إلى عصور زياد ويزيد وزيادة ..) سي زياد أيضا تكاد تسمع .... ــــه لا ينقطع وهو ينتفخ ويتضخّم ويتشحّم أمام مرآته النرجسية ... ويسألها : مرآتي .. يامرآتي ... من أجدر منّي بالرئاسات ؟؟؟
فتقول له : ... أنت أو لا أحد ..
طبعا أن يترشح فذاك شأنه السيادي الذي لا يملك أحد أن يسلبه إياه ( وإن كنت أتمنى أن توجد صيغة ما لكي لا تصبح الرّئاسة مثل أراجيح دحدح ، يركض إليها اللي يسوى واللي ما يسواش )
لكن أن يخرج علينا السوبرزياد ، و يتكشّف ويتنطّع كالجحش الرّبعي أمام الكاميراوات ( الصّديقة بحكم وحدة الدم والهم والمصير ) ويقول الزعيم الهمام :
لو كنت مكان المرزوقي لحملت سلاحي وصعدت إلى الشعانبي ..
وفي رواية أخرى :
أنا جندي احتياط ومستعد للصعود إلى الشعانبي .....
أبببببببْ هاو التسرديك السياسي الانتخابي ... هاو الرّدك الصحيح ...
اللي ما تعرفهوش يا سي المربّع ( خليني ناخذ بايي فيك توة قبل ما تولي سيدي الرئيس .. السوبرزياد على البلاد والعباد )
اللي ما تعرفهوش أنه الرئيس إذا فعل ما تقوله فهو بهيم و مضبّع وخائن يجب محاكمته بتهمة الخيانة العظمى .. قلّي علاش يا سي عنتر ؟ نجاوبك ..
لأنّ مهمة الرئيس ماهيش التفوريخ والتنقيز و تحقيق النزوات متاعو حتى ولو كانت صادقة ، على حساب وظيفته الكبرى ، وإلاّ كمّل قوللنا أنّه يولّي زبّال مع الزّبّالة ، و إطفائيّ كي تصير حريقة ، وحوّات و عزّام إذا لزم ...
مهمته أن لا يبرح مكانه في قيادة السفينة و أن يحمي المصير المشترك والوحدة الوطنية ... مهمته أن يكون الجندي الأول ، ولكن ليس بمفهوم التبلعيط متاع القصّر اللي كيفك ... هو فعلا يصعد مع كل جندي إلى الشعانبي ، ولكن من خلال القرارات الوطنية وتحقيق شروط بقاء الدولة و القيام بالوظائف الكبرى التي لا معنى لتضحيات ذلك الجندي بدونها ...
إذا كان تحب تعبرلنا عن شجاعتك في مواجهة الموت في الشعانبي ، فالشجاعة أحيانا أن لا تموت ، الموت في حدّ ذاته ليس إنجازا ... في النهاية الجميع يموتون ، لكن قليل منهم من يبقون على قيد الحياة
الرئيس الذي نريد يا سي الهانة هو الرئيس الحيّ ، وليس الرئيس الذي يترك دفّة السفينة والمهمة الكلية ليتنطع في دور البطل الدونكيشوتي ، أم أنك ميتومان ، مسكون بدونكيشوت ...
لكن على كل حال أنا أعرف أنك لا تعني حقيقة ما تقول ، ولا تفكر فيه أصلا ، وليست لديك واحد في المليون من شجاعة المرزوقي لتزايد عليه في هذا الشّأن ( ولو كانت فيك لعلمناها أيام كانت الرجولية تباع في السوق السوداء ، موش كيما توة : الرجولية ولاّت تتباع بالكدس في سوق ليبيا ) لكن مع ذلك ... باش الهوكش السياسي ما يبداش يغنيلنا في أغاني جديدة متاع ناس مشكلتهم الأصلية هي كثرة السموم الغازية والتلبك المعويّ و انتفاخ المصران الغليظ و كلّ الزوائد الأخرى اللّي تؤدّي في النهاية إلى حالة ........ كيما اللي عندك ...
ــــــــــــــ
خلينا من الفذلكة توة ونحكو بجدّ شويّة ... بيناتنا ... موش ملاحظين اللي الرئاسة مواتياتو على قوة جهدها ... موش ملاحظين السّرّ اللي هبط عليه ملّي قرّر يترشّح للرئاسة !!!!!
ــــــــــــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي ــــــــــــــ
حالة سيادة / عبد اللّطيف علوي
من معاني عيد الجمهورية : السيادة
حين تكلم المرزوقي بتلك اللهجة الخارجة عن فيتو الأعراف الديبلوماسية ( الحكيمة ) ، وعبر عن ألمه ممّا يحدث في غزّة ، لم يفعل ذلك فقط كعربيّ مسلم لا يستقيم انتماؤه لأمّته ودينه إلاّ بتضامنه الكامل مع إخوته ، وليس فقط كحقوقيّ لا تتحقّق إنسانيته إلاّ بنصرة الحقّ والعدل حيثما ساد الظّلم والطّغيان ، بل كصاحب قضيّة وشريك مباشر في المصير ... فمن السّخف و قصر النّظر أن نصوّر نصرتنا للقضية الفلسطينية كما لو كان تضامنا إنسانيّا في قضيّة تعني الآخرين ... نحن كعرب جميعنا معنيّون تماما كأمّة وكدول ، استراتيجيّا وعسكريا بمسارات هذا الصراع التاريخي ونتائجه ، لأنّ كل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة صارت منذ 70 عاما محكومة بتطورات هذا الصراع ومآلاته .. نحن لا ننصر أحدا ، بل ننتصر لأنفسنا ، هذا هو الإطار الصحيح للحراك الشعبيّ العربيّ الغاضب ضدّ ما يحدث في غزّة ، هذا ما يجب أن نعلّمه لأبنائنا : إنّ مصيركم كأشخاص وكدول مرتبط بأثر الفراشة ، هناك في أرض الرّباط ...
عندما تكلم المرزوقي كمُنْتَمٍ أصيل لهذا الشّأن ، لا شكّ أنّه كان يدرك تماما أنّه بذلك قد أخرج نفسه كلّيّة من قطيع الحكّام العرب المطابقين للمواصفات السّايسبيكويّة ، و لا أظنّ أنّ مصير مرسي كان غائبا عنه ، فنحن في زمن - شئنا أم أبينا - ما زالت أمريكا تحتفظ فيه بخطّ تصنيع الحكّام في العالم الثّالث وفق مواصفات قلّما يشذّ عنها هذا أو ذاك ، وهو في حالة الشّذوذ يصنّف كَمُصنّع مَعِيب لا بدّ من سحبه من السّوق فورا ...
لكنّ أمثال المرزوقي يؤمنون بالفروسيّة وإن سقط الفرسان ، وبالصّمود و بالبطولة وإن سقط الأبطال .. ومن قال إنّه لا يجب دفع الأثمان الباهضة مقابل القيم الكبرى ؟
الخروج يوم 25 جويلية بالذات بدعوة من أعلى رمز في الدّولة ، للتّعبير عن موقف قوميّ مبدئيّ و مناكف لكبار الوصاية الدّوليّة ، كان يعني ببساطة حالة سيادة ، سيادة السّلطة في مواقفها وسيادة الشّعب في مجاله العامّ ... وهذا أساسيّ ..
الأهمّ فيما رأيناه في الشارع الكبير ، ليس صراخ الكبار وبكاءهم من التّأثّر الصّادق ، وليس الموقف السياسي والشعبي الذي تمّ تبليغه من خلال كلّ ذلك ( على أهمّية كلّ ذلك ) وإنّما كان شيئا آخر جديدا وعظيما تماما : إنّه مشهد أولئك الصبية والبنات الصّغار على أكتاف آبائهم وأمّهاتهم وهم يهتفون بحناجرهم العذراء بحياة فلسطين وصمود غزّة وسقوط رأس الأفعى الصهيونية و حاويات القمامة العربية المسمّاة مجازا حكومات و جيوشا ومنتجعات .. هذا هو الأهمّ في كلّ ذلك ..
حين يتربّى أبناؤنا على الإحساس بامتلاك المجال العامّ ، وعلى الإحساس بالانتماء إلى الحشود المؤلّفة المشتركة في القيم والاحتياجات والحركة ، حين يتعلّم أبناؤنا التّخلّص من الفردانيّة la désindividualisation في المهامّ الوطنية الكبرى ، وحين يتربّون على أنّ القضية الفلسطينيّة هي قضيتهم الشّخصية ، ويجب أن يصرخوا بمواقفهم عاليا في أوج السّماء ، وليست قطعة حشيش يتبادلونها سرّا من جيب إلى جيب ... سيكون لدينا غدا إن شاء الله جيل متحرّر وقادر على التّحرير ..
لقد كانت حالة سيادة .. حالة نحلم ونطمح ونسعى إلى أن نجعلها سمة دائمة في أوطاننا لا مجرّد لحظات حلم عابرة في الزّمن العربيّ البائس ...
ــــــــــــــ عبد اللّطيف علوي ــــــــــــــــ
mercredi 23 juillet 2014
كلّنا جنود لإسرائيل| عبد اللطيف العلوي
منذ
أيّام ، وإسرائيل تعجن اللحم العربيّ تحت أنقاض المباني ، والإحساس بالذلّ والقهر
يتصاعد مرّا في الحلق ، والروح أبرد ما يكون …
ليس استثناء ما يحدث ، فقد عودتنا إسرائيل على أن تصبّ جحيمها دوريّا على إخوة لنا .. هنا أو هناك .. لكنّ الجديد هذه المرّة ، أمرّ بكثير من كلّ جرائم اليهود على مدار التّاريخ ..
قبل ثلاث سنوات … كان للحالة الشعبية العامة إزاء مثل هذا العدوان حرارة مختلفة ونقمة مختلفة ، نوجّهها دائما نحو هدف معلوم بنفسه هو إسرائيل ، وإن كنّا نعرف في قرارة أنفسنا ، أنّ إسرائيل ما كانت لتوغل في دمائنا لولا التواطؤ العربيّ الرسميّ المباشر وغير المباشر ، وكلّ مفردات ذلك الخطاب الّذي لطالما كان بداهة مسلّمة بين كل ألوان الطّيف ، ولم نكن نحتاج أن نقنع أنفسنا بذلك ..
اليوم ، تأتي هذه الجريمة الجديدة وقد انكسر فينا شيء ، لن يستقيم قبل عقود كثيرة …
بعد الربيع العربيّ ، أكبر إنجاز قدّمه حكّام العرب – ومعهم كلّ من اصطفّوا معهم في سحق شعوبهم وإبادتها وإذلالها – هو نزع صفة البشاعة والإجرام والفظاعة عمّا تقوم به إسرائيل ، أمام العالم ، وأمام العرب أنفسهم … كيف تقنع العالم بأن إسرائيل ترتكب الجرائم ، وهي – إذا قارنّاها ببشار فيما يفعله بشعبه – ليست سوى طفل لاهٍ غرير بريء طاهر ؟ كيف تقارن من يقتل 40 أو حتى 100 في بضعة أيام ممن يعتبرهم أعداءه الاستراتيجيين ، بمن يقتل 1400 طفل وامرأة وشيخ بالكيمياويّ في بضع ساعات ويمحق ما يقارب النصف مليون ويشرد ثلث سكان البلد و يعذب ويغتصب في تراجيديا جهنمية لا حدود لوصفها ، ثمّ يأتي بعد ذلك من مثقفي العرب والممانعين والقوميين من يرفع صوته وإبهامه للدفاع عنه ، بل لإسباغ كل صفات البطولة عليه ؟؟
كيف تقنع العالم بأنّ إسرائيل ترتكب إبادة في حقّ شعب – غير شعبها – وهو يرى السيسي يحرق ويردم بالجرافات في بضع ساعات الآلاف من أبناء شعبه ، في الساحات العامة و عبر البث المباشر للإعلام المهلل والمبشر .. والمثقفون .. الآلاف من المثقفين ، حتى الذين كانوا منهم بالأمس أسودا يرفعون على الأعناق في ملاحم النضال الاجتماعي أو السياسي … تراهم يسيلون الحبر المسموم في عروقنا ليبرروا وينظروا ويشرّعوا المزيد من الإبادة لطرف لعنوه واستحلّوا دمه وعرضه وماله ..؟؟ كيف بعد ذلك نستطيع النظر إلى ما تقوم به إسرائيل ؟؟
كيف نعتبر ما تقوم به إسرائيل جريمة في حقّ غزة ؟ ونحن هيّأنا لها الفريسة وطاردناها وحاصرناها وجوّعناها ونزعنا عنها حتى شرعية المقاومة ووصفناها بالإرهاب والتكفير وحتى العنصرية…
حتّى نحن الشعوب ، جريمتنا لا تقلّ عن جرائم حكامنا ، لأننا لا نتذكر غزة الا على إيقاع النار والدم والخراب ، ثمّ سرعان ما نعود إلى غيبوبتنا اللذيذة ، وننسى أنّ أولئك المحاصرين مازالوا بشرا يعانون ولم يتحولوا إلى مجرد تماثيل أو لوحات تذكارية في متاحف العذاب البشريّ …
لتسقط كلّ الدموع الخائنة ، لتسقط كلّ القصائد والأغاني الباكية ، لتسقط كلّ الشعارات الكريهة الباردة ، ليسقط كلّ شيء ، مادامت إسرائيل ليست سوى .. نحن ..
ليس استثناء ما يحدث ، فقد عودتنا إسرائيل على أن تصبّ جحيمها دوريّا على إخوة لنا .. هنا أو هناك .. لكنّ الجديد هذه المرّة ، أمرّ بكثير من كلّ جرائم اليهود على مدار التّاريخ ..
قبل ثلاث سنوات … كان للحالة الشعبية العامة إزاء مثل هذا العدوان حرارة مختلفة ونقمة مختلفة ، نوجّهها دائما نحو هدف معلوم بنفسه هو إسرائيل ، وإن كنّا نعرف في قرارة أنفسنا ، أنّ إسرائيل ما كانت لتوغل في دمائنا لولا التواطؤ العربيّ الرسميّ المباشر وغير المباشر ، وكلّ مفردات ذلك الخطاب الّذي لطالما كان بداهة مسلّمة بين كل ألوان الطّيف ، ولم نكن نحتاج أن نقنع أنفسنا بذلك ..
اليوم ، تأتي هذه الجريمة الجديدة وقد انكسر فينا شيء ، لن يستقيم قبل عقود كثيرة …
بعد الربيع العربيّ ، أكبر إنجاز قدّمه حكّام العرب – ومعهم كلّ من اصطفّوا معهم في سحق شعوبهم وإبادتها وإذلالها – هو نزع صفة البشاعة والإجرام والفظاعة عمّا تقوم به إسرائيل ، أمام العالم ، وأمام العرب أنفسهم … كيف تقنع العالم بأن إسرائيل ترتكب الجرائم ، وهي – إذا قارنّاها ببشار فيما يفعله بشعبه – ليست سوى طفل لاهٍ غرير بريء طاهر ؟ كيف تقارن من يقتل 40 أو حتى 100 في بضعة أيام ممن يعتبرهم أعداءه الاستراتيجيين ، بمن يقتل 1400 طفل وامرأة وشيخ بالكيمياويّ في بضع ساعات ويمحق ما يقارب النصف مليون ويشرد ثلث سكان البلد و يعذب ويغتصب في تراجيديا جهنمية لا حدود لوصفها ، ثمّ يأتي بعد ذلك من مثقفي العرب والممانعين والقوميين من يرفع صوته وإبهامه للدفاع عنه ، بل لإسباغ كل صفات البطولة عليه ؟؟
كيف تقنع العالم بأنّ إسرائيل ترتكب إبادة في حقّ شعب – غير شعبها – وهو يرى السيسي يحرق ويردم بالجرافات في بضع ساعات الآلاف من أبناء شعبه ، في الساحات العامة و عبر البث المباشر للإعلام المهلل والمبشر .. والمثقفون .. الآلاف من المثقفين ، حتى الذين كانوا منهم بالأمس أسودا يرفعون على الأعناق في ملاحم النضال الاجتماعي أو السياسي … تراهم يسيلون الحبر المسموم في عروقنا ليبرروا وينظروا ويشرّعوا المزيد من الإبادة لطرف لعنوه واستحلّوا دمه وعرضه وماله ..؟؟ كيف بعد ذلك نستطيع النظر إلى ما تقوم به إسرائيل ؟؟
كيف نعتبر ما تقوم به إسرائيل جريمة في حقّ غزة ؟ ونحن هيّأنا لها الفريسة وطاردناها وحاصرناها وجوّعناها ونزعنا عنها حتى شرعية المقاومة ووصفناها بالإرهاب والتكفير وحتى العنصرية…
حتّى نحن الشعوب ، جريمتنا لا تقلّ عن جرائم حكامنا ، لأننا لا نتذكر غزة الا على إيقاع النار والدم والخراب ، ثمّ سرعان ما نعود إلى غيبوبتنا اللذيذة ، وننسى أنّ أولئك المحاصرين مازالوا بشرا يعانون ولم يتحولوا إلى مجرد تماثيل أو لوحات تذكارية في متاحف العذاب البشريّ …
لتسقط كلّ الدموع الخائنة ، لتسقط كلّ القصائد والأغاني الباكية ، لتسقط كلّ الشعارات الكريهة الباردة ، ليسقط كلّ شيء ، مادامت إسرائيل ليست سوى .. نحن ..
فلسطين ... ليست أمّ المعارك
لسنوات طويلة أقنعنا الخطاب الدعائيّ العربيّ ، بأنّ أمّ معاركنا نحن العرب هي حصريّا مع رأس الحربة الاستعماريّة في الخاصرة العربيّة : إسرائيل ...
الخطاب الرّسميّ كذلك كان من مصلحته أن يحرص دائما - ولو عبر الوكلاء المنتدبين - إلى تسويق هذا الخطاب ، لأنّ في ذلك حرفًا لبوصلة الشّعوب عن المعركة الأولى اللاّزمة شَرْطيًّا للمعركة الثانية ، وهي حرب الوجود الداخلية ضد الصهيوني الطبقيّ والصهيوني السياسي والصهيوني الايديولوجي والصهيوني المالي والصهيوني الإعلامي ... إلخ
وبذلك استطاع الخطاب الدّعائيّ السياسي - الإعلاميّ - الثقافي العربي أن يُغيب معركة الشعوب لتقرير مصيرها داخليا ، وفي نفس الوقت أن يفرغ المعركة الثانية من شروط تحقيقها لأيّ اختراق تاريخي حقيقي منذ عشرات السنين .
نتذكر كيف أطلق صدام حسين سنة 1991 على حرب الخليج الأولى - من جهته - تسمية أم المعارك ، و كان يعول من خلال ذلك ( أي من خلال تصوير الحرب على أنها معركة لتحرير فلسطين ) على أن يحشد أقصى ما يمكن من التعبئة الشعبية الداخلية والعربية والإسلامية ،
غير أن أي يقظ أو منتبه ولو نصف انتباه ، كان يعرف أنه مرة أخرى يستعمل اسم فلسطين كشعار مضلل للابتزاز الدعائي و للتعمية عن غبار معركة أخرى ، في خلفية المشهد ليس الإنسان العربي سوى العنصر الممتهن فيها وبكل الأشكال ..
ورأينا كيف انتهت ( أم المعارك ) الصّدّامية ، بسقوط مدوّ تدريجيّ استمرّ لعشر سنوات اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ، وانتهى بانهيار كامل لمنظومة المقاومة على الطريقة الرسمية في العراق ،
والحقيقة أنه لا أحد ممّن يدّعي الإدراك وسلامة التوقع كان ينتظر غير ذلك .. فقد أثبتت كل الحروب العربية مع إسرائيل ، أو التي رفع فيها شعار الحرب من أجل فلسطين ، أثبتت أنه من العبث والعمى السياسيّ أن نتصور أنه بإمكاننا مواجهة أي عدو خارجي - إسرائيل أو غيره - بإنسان عربيّ مهزوم من الداخل ومذلول و مفقّر ومخصيّ سياسيّا و مواطنيا ولم تتحقق له أدنى شروط الانتماء الوطنيّ فضلا عن القوميّ ...
الربيع العربيّ أحدث الانقلاب الاستراتيجيّ المرعب بالنسبة للصهيونية و خلفيات المشهد بكل تحالفاته الاستعمارية والرجعية العربية والمافيويات العائلية الأوليقارشية المتحكمة في أقدار الإنسان العربيّ ومقدراته ... ومن هنا جاء القرار الدولي بتصفية الربيع العربيّ ، وبأقصى ما يلزم من الدموية والعنف لبناء ذلك الحاجز النفسيّ التاريخيّ الذي سيحول - مجددا - دون أيّة محاولة جديدة لإعادة النفخ في نار بوعزيزي جديد - حتى وإن كان جمعيا في صيغة الآلاف - ..
أيها العربي المقهور ... ابدأ معركتك الكبرى من أول متر مربع تقف عليه ، و لا تركن مجددا إلى خطاب التعمية مهما بدا مريحا وسهلا وجذابا ... معركة غزّة ما كانت لتستوفي شروطها التي نراها اليوم لولم تخض المقاومة معركتها الأولى ضد فصائل الدحلانيات والعباسيات والقريعيات في القطاع ... وكذلك أم المعارك بالنسبة لباقي الشعوب العربية ، يجب أن تكون مع خط برليف الثاني الذي ثبته الصهاينة داخل كل بلد عربيّ ، خط الاستبداد و الفساد و التضليل الاستراتيجيّ الدائم .
ـــــــــــــ عبد اللطيف علوي ــــــــــــــــ
mardi 10 juin 2014
vendredi 6 juin 2014
الفجر تحاور الشّاعر : عبد اللّطيف علوي
- حاوره الشّاعر بحري العرفاوي -
التقيته أوّل مرّة منذ حوالي
ربع قرن في أمسية ثقافيّة نظّمها الطّلبة بكلية الآداب بمنّوبة ، و كان برفقة
أستاذه الشّاعر عبد المجيد بني عمر ... بعد أن استمعت إلى إحدى قصائده الملحميّة ،
يومها كان تعليقي : تحيّة إلى أستاذ الشّعراء عبد اللّطيف علوي ... وكان ردّه :
لقد وصفتني بأكثر ممّا أستحقّ .. واليوم بعد ربع قرن أجده في نصوصه أعمق معنى
وأجمل قولا وأوضح رؤيا ..
يسرّ جريدة الفجر كعادتها أن تقدّم إلى قرّائها الكرام شاعرا مبدعا في
مصافحة أولى ..
نبدأ من حيث انتهيت ، عنوان مجموعتك الأخيرة : "
خيبات طفل عظيم ..." هل يشعر الشّاعر عبد اللّطيف علوي بأنّ أحلام الشّعراء
خارج قانون التّاريخ أو أكبر ممّا يمكن أن يحقّقه واقعنا العربيّ ؟
في البداية أشكرك أخي بحري لكلماتك
العظيمة في حقّي ، وأرجو أن أكون بها جديرا .. حين تأتي الشّهادة من شاعر كبير
مثلك ورمز من رموز المقاومة الثّقافيّة في هذه البلاد لما يزيد عن ثلاثة عقود ،
فإنّها لا تزيدني إلاّ فخرا واقتناعا بأنّي قد سلكت الطّريق الصّحيح رغم ما فيه من
مطبّات ومزالق وأوجاع وخيبات .. أمّا عن سؤالك أخي الكريم ، فإنّي قد قلت في قصيدة
: "الساعة منتصف العمر .. ": " لمْ أَنْجُ من قدرِ الشّعراءِ بأن
يُدفَنُوا في قبور تضيق بأرواحهم .." وأعتقد أنّ الشّاعر الحقيقيّ – لا
أتحدّث هنا عن صفة الشّاعر الّتي تطلق بالمشاع على كلّ من يدّعيها لنفسه – الشّاعر
الحقيقيّ لا يحلم خارج إطار التّاريخ أو الواقع ، وإنّما هو يبشّر بواقع آت أو
ينذر بخرابٍ قادم ، أو يستشرف ما لا يراهُ الأغبياء فيظنّونه هذيانًا ... أحلام
الشّاعر لا يجبُ أن تُؤخَذ على معنى اليوتوبيا والمثاليّات والرّومانسيّات
المنسيّات ، وهو بالمناسبة ما يريد الخطابُ المتخلّف أن يرسّخه في نظرتنا إلى
الشّاعر ، أحلام الشّاعر هي التّي تعبّر عن روح الحياة بما فيها من قيم وجمال
وسموّ وإنسانيّة مفقودة ، ولذلك فإنّ الشّعر الّذي أراهُ لا يمكن أن يكون إلاّ
رسالة ومشروعا وموقفا ... خاصّة حين تمرّ الشّعوب بفترات الارتداد الحضاريّ وتعاني
من أمراض الاستبداد والمسخ الثقافي والسُّخرة الاجتماعيّة ، وفي مراحل المخاضات
التّاريخيّة الكبرى من مثل ما نعيشه اليوم في عالمنا العربيّ .. في هذه المراحل
تحديدا لا يمكن للتّاريخ أن يغفر للشاعر نكوصه أو لا مبالاته أو انشغاله بمقولات
العبث الشّعريّ أو نظريّات الفنّ للفنّ .. كلّ واقع جميل يبدأ حلما جميلا ، ولكنّ
الشّاعر مطالب بأن لا يكتفي بمجرّد الأحلام ، عليه أن يحمل الهمّ الوطنيّ والقوميّ
ويغرس رجليه في الطّين مع الفلاّحين ويديه مع الكادحين وقلبه وجسده وعقله مع
المقهورين والمنبوذين والعشّاق وحتّى المجانين ..
تعرّضت وأنت تلميذ وطالب إلى السّجن السّياسيّ
والملاحقة الأمنيّة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ، هل شعرت بأنّ الشعر قد
جنى عليك أم أنّك كنت ضحيّة شبهة انتماء ..؟
لا شكّ أنّ تلك الفترة كانت من أحلك ما عاشته
بلادنا في تاريخها الحديث ، وقد عشت المحنة كما عاشها الآلاف من " أحباب الله
" ، والتّعبير هنا للصّديق كمال الشّارني في روايته التي تحمل هذا العنوان ،
وبالمناسبة ، كنّا نزيلين في نفس الغرفة بالسجن المدنيّ بالكاف ، .. أقول إذن
إنّني تعرّضت لما تعرّضت إليه بصفتي شاعرا وبصفتي ناشطا حركيّا ( لا أستطيع أن
أقول سياسيّا لأنّه آنذاك لم يكن هناك أيّ وجود لنشاط سياسيّ بالمعنى المتعارف ..)
حيث أنّني قد انجرف وعيي مبكّرا إلى مناطق التّناقض الموضوعيّ بين السّلطة
القمعيّة الغاشمة والشّعب المغصوب ، فوجدت نفسي معنيّا بأسئلة المصير والحرّية
والانتماء والهويّة ، وبدأت قصائدي تأخذ منحى تحريضيّا واضحا ضدّ النّظام ومتلبّسا
بهموم المرحلة ، كان النّظام يريد من المثقّف أن يرتدي حلّة الأعياد في المآتم
والجنازات ، لكنّني لم أكن أحتمل ذلك ، وكان لا بدّ من دفع الثّمن ... فدفعته غير
آسٍ ولا آسِفٍ ولا نادمٍ على ذلك ، ولو قدّر لي أن أعود إلى نفس المنطلق لاخترت
نفس الطّريق ..
هل جنى عليّ الشّعر في ذلك ؟ لا أعتقد ... بل على العكس تماما ، لقد كان
شرفا عظيما أن خصّني الله تعالى بأن أكون من ضمن من استثناهم بــ "إلاَّ ..." في سورة الشّعراء ..
الشعر سلاح عظيم منذ أيّام العرب الأولى وهو أيضا "منهاج في الحياة " كما
يقول "لويس آراغون "، وليس مجرّد ممارسة فنّية إبداعيّة مجرّدة ، أو
تهويمات مغرقة في الذّاتيّة المغيّبة ، أو شطحات عُصابيّة مرضيّة كما نراه اليوم
في أغلب المنابر والمنتديات ..
أمّا عن شبهة الانتماء ، فإنّك لم تجانب الواقع كثيرا في ذلك ، وأنا بالمناسبة
لا أؤمن بتلك الهالة القدسيّة الّتي يريد بعض الشّعراء أن يدّعوها لأنفسهم ،
فيتعالون بذلك عن الفعل السياسيّ بحجّة الاستقلاليّة ، أو الحقوقيّ أو المدنيّ في
كلّ تمظهراته ... حتّى وصلنا اليوم إلى ما يشبه الحديث عن تحييد الشّعر بعد تحييد
المساجد والإدارة ووو ...
أنا رجل أنتمي إلى مبادئي أوّلا ، وإلى حضارة عربيّة إسلاميّة أؤمن بقدرتها
على النهوض من جديد والاستجابة لحاجيات الإنسان الحديث المادّيّة والرّوحيّة ،
وإلى كلّ القيم العظيمة التي أسّسها البشر في تاريخهم الطّويل ... أمّا
الاستقلاليّة فهي حالة ذهنيّة ونفسيّة وسلوكيّة بإمكانك أن تحافظ عليها بقطع
النّظر عن انتمائك السياسي أو الايديولوجيّ ..
أنت من مدينة بوسالم ، ومنها تناسل شعراء كثيرون
مبدعون .. هل ترى للمكان أثرا لاستنبات الشّعر والشّعراء ؟
لا أعتقد ذلك ، وإن كان بعض النّاس يرتاحون لمثل
هذا الرّبط الجغرافيّ ، فالثّابت أنّ الشّعراء المُجِيدين قد وجدوا على مدار
التّاريخ في شتّى الأماكن المختلفة مناخيّا وبيئيّا إلى حدّ التّناقض أحيانا ...
غير أنّي أميل أكثر إلى الاعتقاد بأنّ للأمر صلةً بالحالة الاجتماعيّة والمزاجيّة
العامّة إضافة إلى الحيثيّات والخصوصيّات الثّقافيّة لمنطقة ما ... ففي بوسالم
مثلا ، كان لنا الحظّ أن وجدت في أواسط الثمانينات نواة لمثقّفين نوعيّين طموحين ،
اتّسموا كثيرا باتّساع الأفق و حماسة المبادرة ، فأسّسوا مهرجان الربيع الأدبي ،
وكان يحضره سنويّا الكثير من الأسماء المعروفة على المستوى الوطنيّ ، بالتّوازي مع
نادي الأدب الذي كان ينشط أسبوعيّا بدار الثقافة وينفتح على الوسط التّلمذيّ
بالمعاهد المحيطة به في شكل مسابقات وندوات وأنشطة متنوّعة.. كلّ ذلك أدّى في
النّهاية إلى بروز حالة إبداعيّة عامّة لا يخطئها النّاقد أو الملاحظ عموما ...
بعد 14 جانفي تكشّفت السّاحة التّونسيّة عن
شعراء كثيرين كانوا مقهورين ومحجوبين ... هل ترى أنّ الحرّيّة منتجة للإبداع أم
مهدّدة له ؟
لا شيء ينمو أو يتطوّر بدون الحرّيّة في كلّ
مجالات الحياة ، فكيف إذا تعلّق الأمر بالشّعر والإبداع عموما ؟ ... الاستبداد
يخلق أشكالا مرضيّة من الفنون المنفصمة عن واقعها وحتّى المعادية له ، وقد يبلغ
بها الأمر أن تصبح أدوات فتّاكة تشكّل العقول حسب قوالب الثقافة التي يروّجها
المستبدّون دائما : ثقافة العجز وقلّة الحيلة واللاّمبالاة والتّسليم الأعمى وتجريم
الذّات إزاء كلّ ما يصيبها ..
الكثير من المبدعين الأحرار ، في تونس ، كما في غيرها ، عاشوا تلك الفترة
بغصّة مقيتة في الحلق وحجر جاثم في الصّدر ، فلا هم يستطيعون أن يعبّروا عن سواد
الواقع و بشاعة الجريمة الشاملة التي كانت ترتكبها أنظمة المناولة الاستعماريّة ،
ولا هم يستطيعون أن يدفعوا ثمن الكلمة الحرة ، تلك التي كان النظام يحاربها أكثر
من أيّ شيء آخر ، لأنّها بالنسبة إليه سلطة مضادّة لسلطته القائمة على تمكين الخوف
.. ، وحتّى إن وجد من تجرّأ على كسر جدران الصّمت ، فإنّ صوته سرعان ما يخنق ويلقى
به في مجاهل النّسيان ..
لذلك رأينا هذا الانبعاث الفجئيّ / المفهوم لأصوات نوعيّة كثيرة بعد الثورة
، وهي لا شكّ تحتاج إلى غربلة هادئة على أسس نقديّة فنّيّة ، و لا يجوز الاستمرار
في الاحتفاء بها لمجرّد ما تحمله من المظلوميّة السّابقة أو الشهادة على العصر ..
ما مكانة الشّعر والشّعراء في هذا المشهد
المهووس بالسّياسة والايديولوجيا ؟
أن يكون المشهد مهووسا بالسياسة والايديولوجيا ، فهذا أمر طبيعيّ تماما ،
وأكاد أقول صحيّ أيضا .. ، في فترة غليان انتقاليّ ومخاض تاريخيّ لهذه الأمّة ..
فقد عشنا عقودا في صحراء سياسيّة وغصبٍ ايديولوجيّ رسميّ ، ولم يتسنّ لهذه النّخبة
أن تطرح قضاياها ومقولاتها في إطار طبيعيّ مدنيّ قبل الثورة ، فكيف وقد اندفع
السّدّادُ فجأة وخرج الجنّيّ الّذي كان محبوسا داخل قارورة كلّ منّا دفعة واحدة
..؟؟ هذه المرحلة المفصليّة تحتاج إلى كثير من التّجريب السياسي ، ولو وصل الأمر
حدّ التّدافع ، كما تحتاج إلى تصادم الايديولوجيّات واحتكاكها حتّى تتآكل تدريجيّا
و تفقد عنف الوثوقيّة داخلها ، فنصل إلى مرحلة اللاّايديولوجي واللاّسياسويّ ..
مع ذلك يبقى الشّعر – لمن يفهم المعنى الحقيقيّ للشّعر- المعبّر الأصدق عن
روح هذه المرحلة وتحدّياتها وقيمها ، الشّعر معنيّ بأن يقاوم توحّش السّياسة ودوغمائيّة
الأيديولوجيا ، ويعيد المعركة إلى أسسها الحقيقيّة المتمثّلة في قيم الحرّيّة
والعدالة والمواطنة والبناء ... ولا يكون ذلك إلاّ بشعراء منتمين إلى هموم أوطانهم
، منخرطين في الشّأن العامّ ، يعبّرون عن مبادئهم بكلّ حرّية و مسؤوليّة ولا
ينخرطون في موجات النّفير العامّ بدون أن يقدّروا مصلحة الوطن في ذلك أو عدمها ..
ماذا لو طلبنا منك أن تختار مقطعا شعريّا من
مجموعتك الشّعريّة الأخيرة تهديه لقرّاء الفجر ...
قبل ذلك لا يسعني إلاّ أن أجدّد شكري لجريدة
الفجر وللقائمين عليها ، وإليك أخي بحري بشكل خاصّ ، وأهدي لقرّائكم المحترمين هذا
المقطع من قصيدة : "بلادي قصيدة .. " ولعلّه يعبّر عن كثير ممّا دار
بيننا في هذا الحوار الجادّ :
أنا يا كرامُ ثقيلُ اللّسانِ ،
ولا أُتْقِنُ الغزلَ الموسمِيَّ على
شاشةٍ أو جريدَهْ ..
بلادي قصيدَهْ ..
ولمْ أرَ فيمَنْ أرى بينكم من يَصيدُ
القصيدَهْ
وأعرفُ .. ما أكثرَ الشّعراءَ الّذين
تغنّوْا بأنهارِها ..
أو بأشجارِها أو بأقمارِها أو
بِأقدارِها ..
والّذين تغنَّوْا بأعيادِها
أو بجلاَّدِها أو بأمجادِها رغمَ
حُسّادِها..
والّذين عَمُوا عن زهورِ الطّفولةِ
تقصفُها الرّيحُ من حولِهِمْ
ومَضَوْا يَصِفُونَ البنفسجَ
والياسمِينَ ،
وجنّاتِ عَدْنٍ على أرضِها فاتِنَهْ
..
ليس لي يا كرامُ فصاحَتُهُم في
المديحِ ،
ولا في التّذلّلِ أو في التّوَسُّلِ
بالأدمُعِ الخائِنَهْ ..
أنا يا كِرامُ بلادي قصيدهْ
وعشٌّ حزينٌ على غُصنِ زيتونةٍ في
العراء تموتُ وحيدهْ
يُجرّحُنِي عِطْرُها اللّيلكيُّ
إذا لمْ يُضمّخْ شوارِعَها كلَّها
والرُّبى والبُيُوتَ البعيدَهْ ..
وكاذبَةٌ شمسُها والنّجومُ ..
إذا لمْ يَرِفَّ لها كلُّ قلبٍ كسيرٍ
ويبتَلَّ من نورها كالغُصُونِ
الوليدَهْ
وزائِفةٌ كلُّ أقمارِها المُشتهاةُ
وأخبارُها …
كلُّ أعيادِها، وبطولاتُ أجدادِها،
وملاحمُ أيَّامِهَا الخالِداتِ
المَجِيدَهْ
إذا لم يكنْ للمَلاعينِ فيها نصيبُ
..
وللرَّاقِصينَ حُفاةً على الجمرِ
أيضًا نصيبُ ..
وللواقفينَ على شُرفَةِ الرّيحِ والموتِ
في حبّها
كالشّموعِ العنيدَهْ
بلادي قصيدَهْ
ولمْ أرَ فيمَنْ أرى بينكم من يصيدُ
القصيدَهْ .
-
حاوره الشّاعر بحري العرفاوي -
Inscription à :
Articles (Atom)












